الصفحة 154 من 199

فهذه أدلة لعامة أهل العلم على أن المريض أو الجريح إن خاف على نفسه استعمال الماء جاز أن يعدِل عن ذلك إلى التيمم.

ما هو حدُّ هذا الخوف؟

قال أحمد في إحدى الروايتين عنه: أن يخاف التَّلَف أو الهلاك، وهذا قولٌ للإمام الشافعي.

لكن ظاهر مذهب أحمد وهو القول الثاني للشافعي، وبه قال أبو حنيفة: أن حدود الخوف أن يخاف زيادة المرض أو تباطؤ البُرْء - أي: الشِّفاء - أو أن يخاف أَلَمًا شديًدا أو شيئًا فاحشًا.

وهذا هو الصواب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الذي أخرجه البخاري: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ.

زاد النسائي: فإن لم تستطع فمستلقيا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [1] .

أفيقال: لا يصلي قاعدًا إلا أن يخاف التَّلف؟ هذا لا قائل به.

وكذلك في قول الله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أفيقال: لا يُفطر المريض في رمضان إلا إن خاف على نفسه الهلاك إن صام؟ لا قائل بهذا أيضًا.

ولكنهم قالوا: إن خاف تفاقم المرض أو تباطؤ الشفاء ... وما إلى ذلك.

وكذلك هاهنا: لماذا يشترط التَّلف أو الموت أو الهلاك، وقد قال الله: {وَإِلَى كُنْتُمْ مَرْضَى} قهذه آية عامة تشمل كل مريض إن خشي علي نفسه الضرر.

هذا سؤال يتسائله ابن قدامة!

أنتم متفقون علي أن الإنسان إن خاف ضياع ماله إن ذهب يطلب الماء فلا يطلب الماء ويتيمم، أليس المريض الذي يخاف تباطؤ الشفاء أولى؟

فأما المريض أو الجريح الذي لا يخاف الضرر باستعمال الماء مثل من به الصداع [2] والحمى الحارة أو أمكنه استعمال الماء الحار ولا ضرر عليه فيه لزمه ذلك؛ لأن إباحة التيمم لنفي الضرر

(1) - قال الشيخ: خليل إبراهيم ملا خاطر في تحقيق كتاب مجموعة الحديث على أبواب الفقه: الذي وجدته في سنن النسائي من حديث عمران بن حصين (3/ 223، 224) : من صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد، وهذا لفظ البخاري أيضًا، لكن رأيت صاحب المنتقى قد ذكره (1/ 661) ونسبه للنسائي. والله أعلم. ونسبه الحافظ في التلخيص (1/ 226) للدارقطني من حديث علي , وذكره كذلك شمس الحق في التعليق المفني (1/ 380) ونسبه للنسائي من حديث عمران , والله أعلم.

(2) - في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت