بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاغتسال , وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
لو أنه ذكر في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل شيئًا فقط، لكان هذا كافيًا؛ فإن السنة تكون قولية أو فعلية أو تقريرية، فهذا إقرارٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ما فعله عمرو بن العاص، فما بالك وقد زاد على هذا الإقرار: الضحك، الذي فيه معنى الإستبشار.
ثالثًا: ثبت عند أبي داود والدارقطني من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ , ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ , أَلاَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ.
الأصل في هذا الحديث أنه ضعيف لكن له شاهد من حديث ابن عباس عند الدارقُطْني وابن ماجة وغيرهما، فهذا الشاهد يَشُدُّ من الحديث الضعيف ويرتقي به إلى مرتبة الحسن، فيكون حسنًا لغيره.
أما الزيادة الآتية، فلا شاهد لها فتكون ضعيفة، وهي قول النبي - صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
والقدر الأول في الحديث فيه أن الحكم كان ينبغي أن يكون علي خلاف ما قيل لصاحب الشَّجة - مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ -ومن ثم فهذا الحديث دليل لعامة أهل العلم في أن المريض أو الجريح إذا خاف علي نفسه أن يستعمل الماء جاز له أن يَعدِل عن الماء إلي التيمم مع وجود الماء.
رابعًا: أجمع أهل العلم على أن الإنسان إذا كان يحمل معه ماءً ولكنه يخاف العطش على نفسه أو على رفقته من مسلم أوذميٍ أو معاهدٍ أو بهائم، لا يجوز ولا يحل له أن يستعمل هذا الماء بل عليه أن يعدِل إلى التيمم.
وكذلك من خاف على نفسه: لصًا أو سبعًا، أو خاف إن ترك ماله أن يضيع، جاز أن يلجأ إلى التيمم.
وهذا الرجل المريض أو الجريح: خائفٌ أيضًا من استعمال الماء، والخوف لا يتغيَّر، إنما تتغير صوره - كما قال ابن قدامة في المغني -.