إذا سمعت مثلًا عالمًا يقول: الإفرازات التي تخرج من المرآة طاهرة لكنها ناقضة للوضوء وقد زعم ابن حزم أنها ليست ناقضة للوضوء ولم يأت بدليل علي ذلك، فالكلام هنا لا يستقيم، فالأصل قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} فمن فعل هذا فقد صار متوضئًا، فمن زعم أنه ينقض وضوءه ويزيل عنه هذا الحكم بأي أمر من الأمور أو عارض من العوارض فعليه أن يأتي بالدليل علي ذلك.
فينبغي أن نكون مستحضرين لهذه القاعدة، ولها أدلة أخري كقول الله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} فهذا استثناء منقطع، يعني: ولكن ما قد سلف وأنتم لستم مؤاخذين عليه؛ لأنه لن يتقدم إليكم تحريم في ذلك.
وكقوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} وقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} يعني: لا تتحرج من الأموال التي إكتسبتها من الربا قبل أن ينزل تحريم الربا فإنه قبل التحريم كان الأمر معفوًا عنه وكذلك قال الله في آية جمع فيها كل ذلك: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} هذه الآية نزلت حين استغفر النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه واستغفر المسلمون لأقاربه من المشركين نزل قول الله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} . فندم الصحابة وخشوا علي أنفسهم فتنزل قوله تعالي: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} يعني استغفارهم للمشركين الذي كان منهم قبل ورود النهي هذا معفو عنه لا إثم عليهم فيه.
فنحن نريد أن نقول: البراءة الأصلية أو استصحاب العدم الأصلي حتي يأتي دليل ناقل عنه وهذا هو مذهب جمهور العلماء وعليه أدلة من كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
نرجع إلي مسألتنا، هل يجوز للجنب أو الحائض أن يدخلا إلي المسجد؟
ذهب الإمام أحمد والإمام الشافعي في طائفة من أهل العلم إلي أنه يجوز للجنب وللحائض أن يدخلًا المسجد إذا كان ذلك علي سبيل الإجتياز والعبور لا علي سبيل المُكث والبقاء في المسجد.