أما إذا اختلط عليه الأمر ولا يدري أهو مذي أم مني؟ ماذا يفعل؟
الصواب، وهو مشهور مذهب الشافعي أن الواجب عليه في هذه الحالة أن يتوضأ؛ لأن الاغتسال لا يجب بالشك، فلو قلنا أن هذا الرجل علي أقل الإحتمالين: أمذي أي أن هذا مذي فإن هذا الرجل يلزمه شيئين:
1 -يتوضأ.
2 -يغسل الثوب من هذا البلل؛ لأن المذي نجس، ولا يغتسل؛ لأن الغسل لا يجب بالشك.
-لو أن رجلًا وجد في ثيابه أو في فراشه منيًا، وكان لا يلبس هذه الثياب غيره من البالغين، أو لا ينام في هذا الفراش غيره من البالغين، فيجب عليه في هذه الحالة أن يغتسل، وأن يعيد الصلاة من آخر نومة نامها إلا أن تقوم عنده قرينة [1] - أي: دليل - أنه أجنب قبل آخر نَومَة من النومة التي قبلها ... وهكذا [2] .
(1) - وسُئل الشيخ لو أن هناك قرينة، فأنت تقول: يعيد الصلاة التي صلاها من بعد آخر نومة، إلا أن تقوم قرينة علي أن هذا المني أو هذه الجنابة كانت في نومة سابقة علي هذه النومة، ماهي هذه القرينة؟
فأجاب: كأن يستيقظ الرجل عند صلاة الظهر فيقوم فيتوضأ فيصلي الظهر ثم بعد ذلك يجد منيًا جافًا، فهو الآن مستيقظ من نوم كان ينامه في الثانية عشر - نوم القيلولة مثلًا - قام فصلي الظهر ثم وجد منيًا يابسًا، هل يُتصور أن هذا المني كان في هذه النومة؟ لا بالطبع؛ لأنه لم يأخذ القدر الكافي لكي يجف، فهذا المني كان من النومة التي قبلها - نومة الليل - وهذه قرينة من القرائن.
(2) - وقد سئل الشيخ عن احتمالية أن يكون مذي، فهل يعيد الصلاة أيضًا؟ ...
فأجاب فضيلته: مذهب جمهور العلماء أن طهارة الثياب والبدن شرط في صحة الصلاة.
ومذهب الإمام مالك أن الطهارة من النجاسة سنة فقط.
وذهب بعض أهل العلم إلي أن الطهارة من النجاسة واجبة فقط - وهذا هو الصواب -؛ لأننا عندما نقول أن الطهارة من النجاسة شرط، أولًا نحن نريد دليل علي الشرطية، قالوا هناك دليل وهو قول الله: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) .
فالجواب: أن هذا أمر والأمر لا يستفاد منه إلا الإيجاب فقط، فكيف يقال بالشرطية ونحن قلنا: الشرط يعرف بأداة الشرط أو أسلوب الشرط أو نفي العمل أو نفي الثمرة أو نفي الإجزاء، وكل هذا ليس موجودًا فيما يتعلق بطهارة الثياب.
وتعريف الشرط هو: ما يستلزم عدمه العدم، ولا يستلزم وجوده وجود ولا عدم. ونحن إذا طبَّقنا هذا الكلام ستجد أن الإمام أحمد وأبو داود أخرجا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فخلع نعليه فخلعنا نعالنا، وهم في الصلاة فلما انصرف من صلاته قال: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا رأيناك خلعت فخلعنا. فقال: أما إنه أتاني جبريل فأخبرني أن بهما خبثًا. - فهو خلع نعليه لأن بهما نجاسة - فإذا أتي أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأي خبثًا فليمسحهما بالأرض، وفي رواية: فليدلكهما بالتراب، ثم ليصل فيهما ..
فنحن إذا قلنا: الطهارة من النجاسة شرط، كان هذا يؤدي إلي بطلان الصلاة، والحاصل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بني علي ما مضي من صلاته في هذا الحديث - يعني: لم يخرج من الصلاة ليبدأها من الأول، وإنما بني علي ما قد صلي قبل أن يخلع نعليه -.
فحكم هذا الرجل إن رأي مذيًا في ثيابه وهو لا يعلم، سواء قلنا أن الطهارة شرط أو واجبة لا يجب عليه في هذه الحالة أن يُعيد الصلاة بناءًا علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صلي وكان في نعليه خبث وهو لا يعرف ذلك لم تُبطل هذا النجاسة الموجودة في نعليه صلاته.
فنحن نقول: إن وجد البلل وتيقن أنه مني، فهو مطالب بالاغتسال وإعادة الصلوات الماضية من آخر نومة. وإن علم أنه مذي فهو مطالب بالوضوء في هذه الحالة، وتطهير الثياب من النجاسة؛ لأن المذي نجس، وإن اختلط عليه الأمر وجب عليه الوضوء مع تنظيف الثوب؛ لأنه سَيُغَلَّب أمر المذي وفي هذه الحالة المذي نجس، فيجب عليه أن يغسل الثوب من النجاسة.