وفي هذه الحال - أي تقدمه إلى الإمام - يكون هناك فوات أمر مطلوب وهو أنه إذا تقدم وصلى مع الإمام، ثم دخل آخر ولم يجد مكانًا في الصف فمعناه أنه سيتقدم إلى الإمام، ويكون مع الإمام رجلان، لكن لو أن هذا لم يتقدم إلى الإمام وبقي خلف الصف ثم جاء الثاني صار صفًّا معه.
أما جذبه لواحد من الصف الذي أمامه فهذا أيضًا يترتب عليه عدة محاذير:
المحذور الأول: فتح فرجة في الصف وهذا من قطع الصف، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:"من قطع صفًا قطعه الله"النسائي (819) وأبو داود (660) وأحمد (5724) .
المحذور الثاني: أن هذه الفرجة التي حدثت في الصف فإن الغالب أن الناس يتقاربون، وحينئذ يؤدي إلى حركة جميع الصف، ولولا جذب هذا الرجل ما تحرك الصف ولبقي الناس على أمكنتهم.
المحذور الثالث: أنه ينقل صاحبه الذي جذبه من المكان الفاضل إلى المكان المفضول وفي هذا نوع اعتداء عليه.
المحذور الرابع: أنه إذا جذب المصلي فلابد أن يكون عنده فزع ونحوه مما يوجب عليه تشويش صلاته.
أما الحال الثالثة وهي: أن نقول انصرف ولا تصلِّ مع الجماعة لأن الصف تام، وحينئذ نحرمه من صلاة الجماعة، ويكون منفردًا في موقفه وفي صلاته أيضًا.
وتبقى عندنا الحال الرابعة وهي: أن نقول له: كن خلف الصف منفردًا في المكان، موافقًا في الأفعال، وهذه الأخيرة هي خير الأقسام بلا شك، فإذا كانت هي خير الأقسام فإنها تكون هي المطلوبة ونقول له: قف خلف الصف وصلّ مع الإمام منفردًا؛ لأنه معذور.
أما قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-:"لا صلاة لمنفرد خلف الصف"أحمد (16297) بلفظ"لمفرد"أو"لفرد"وأخرجه ابن ماجة (1003) فهذا حمله من يرون أن المصافة ليست بواجبة حملوه على أنه نفي للكمال وليس نفيًا للصحة، ولكن هذا الطريق ليس بصحيح؛ لأن الأصل في ما نفاه الشرع انتفاء الصحة، هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل على أن المراد انتفاء الكمال، فيحمل على انتفاء الكمال وإلا فالأصل أن النفي نفي للصحة.
وبهذه المناسبة: أود أن أبين أن ما ورد نفيه في النصوص فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون نفيًا لوجوده وهذا هو الأصل، مثل: لا خالق إلا الله، هذا نفي لوجود خالق للخلق سوى الله -عز وجل- وهذا أعني نفي الوجود هو الذي يجب عليه حمل النفي أولًا؛ لأنه الأصل.
الحالة الثانية: إن لم يمكن حمل النفي على نفي الوجود، وكان الشيء موجودًا، فإنه يحمل على نفي الصحة شرعًا مثل:"لا صلاة بغير طهور"مسلم (224) ، فالإنسان قد يصلي غير متوضئ وتوجد الصلاة، لكنها شرعًا منفية وهذا نفي للصحة.
الحالة الثالثة: إن لم يكن الحمل على نفي الصحة لوجود دليل يمنع من ذلك فإنه يحمل على نفي الكمال مثل:"لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان"مسلم (560) فإنها هنا محمولة على نفي الكمال، على أن بعضًا من أهل العلم يقول: إن هذا الحديث محمول على نفي الصحة إذا كان ينشغل انشغالًا كاملًا لا يدري ما يقول في صلاته فإنه لا تصح صلاته حينئذٍ.
وعلى كل حال فهذه المراتب الثلاث ينبغي لطالب العلم أن يلاحظها: أن الأصل في النفي نفي الوجود، فإن لم يمكن وكان الشيء موجودًا فهو محمول على نفي الصحة، فإن لم يمكن وكان قد قام الدليل على الصحة فإنه