الصفحة 38 من 59

والحديثان الأول والثاني ظاهران في ظلم الغني المماطل، واستحقاقه للعقاب، وهما مما يحتج به، والعقوبة هنا تعزيريّة، وذهب الجمهور إلى أن العقوبة هي الحبس، وإن جاز في التعزيز غيره كالضرب والتوبيخ، وما دام الهدف من العقوبة التعزيريّة الردع والزجر وأداء الحقوق، وليس في العقوبة هنا حد مقرر، فالأمر إذن فيه متسع أمام القاضي أو ولي الأمر، فقد يرى في التوبيخ الكفاية، وقد يرى ضرورة الضرب مع الحبس، والأمر لا يستدعي كبير خلاف ما دام الحكم يصدر من عادل غير محكم للهوى والتشهي.

والحديث الثالث ينهى عن الضرر، ومن القواعد الشرعية المعروفة أن الضرر يزال، والدائن لحقه ضرر فيجب أن يزال.

ومن المعروف أن الدائن ليس له إلا دينه، سواء أخذه وقت استحقاقه أم بعد مدة المطل، وما أجاز أحد من الفقهاء أن يدفع المدين قدرًا زائدًا من الدين كعقوبة تعزيرية، ولو قيل يدفع مقابل الزمن فهو عين الربا.

قال المجيزون: إن المصلحة تقتضي منع المماطل من استغلال أموال المسلمين ظلمًا وعدوانًا، وإذا كانت الفائدة الربوية تمنع المطل مع البنوك الربوية، فإن الإسلام لا يعجز عن أن يوجد حلًا لمشكلة المطل التي تعاني منها المؤسسات الإسلامية، وإذا كان الفقهاء السابقون رأوا أن تكون العقوبة الحبس -وهذا غير مطبق الآن- فعلى فقهاء العصر أن يجتهدوا لإيجاد الحل.

ثم أضافوا: والقدر الذي نرى أن يتحمله المماطل هو ما يقابل الربح الفعلي للدائن، فهذا ليس من باب الربا، ولكنه من باب منع الضرر الذي يلحق بالدائن.

وربما كان من الصعب التفرقة بين ما ذهب إليه هؤلاء وبين الربا:

ويبقى هنا كذلك أن نسأل: ما الهدف من العقوبة التعزيرية؟ ومن الذي يحدد هذه العقوبة؟ ومن الذي يأمر بإيقاعها؟ أو يقوم بتنفيذها؟ أفيمكن أن يكون شيء من هذا للدائن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت