ثم ذكر الأحاديث التي تؤدي هذا الرأي، ثم قال: وذهب مالك وأصحابه ومن تابعه في هذا الباب إلى أن نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن إنما هو في الطعام وحده، لأنه خص بالذكر في مثل هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحاح، ولا بأس عندهم بربح ما لم يضمن ما عدا الطعام، ومن البيوع والكراء وغيره، وكذلك حملوا النهي (عن بيع ما ليس عندك) على الطعام وحده.
ثم قال: قالوا: وكل حديث ذكر فيه النهي عن بيع ما ابتعته حتى تقبضه فالمراد به الطعام، لأنه الثابت في الأحاديث الصحاح من جهة النقل، وتخصيصه الطعام بالذكر دليل على أن ما عداه وخالفه فحكمه بخلاف حكمه. (35)
قلت: لا حاجة إلى إعادة ما ذكرته عن مفهوم المخالفة، والنووي في رده قال: إذا نهى عن بيع الطعام، مع كثرة الحاجة إليه فغيره أولى، إلى جانب ما ذكره في رده عند مناقشته في بيان مذاهب العلماء الذي مر ذكره من قبل.
وسؤال حكيم بن حزام: يا رسول الله، إني أبيع بيوعًا كثيرة، فما يحل لي منها وما يحرم؟ وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تبع ما لم تقبضه". لم يأت ذكر الطعام في السؤال ولا في الجواب، ولو كان الأمر قاصرًا على الطعام لوجب على حكيم أن يبين أن البيوع الكثيرة كلها في الطعام، ولكان الجواب مفرقًا بين الطعام وغيره، وحمل كلمة (السلع) ، (وما لم يضمن) ، (وما لم يقبض) ، (وما ليس عندك) ، حمل كل هذا على الطعام فقط فيه نظر، فهو تخصيص للعام بغير مخصص، وتعطيل للنصوص، ولا تعارض بين العام والخاص حتى يحتج بصحة أحاديث الطعام، فالأحاديث الأخرى فيها الصحيح وفيها الحسن، فهي حجة في الاستدلال، فلا يجوز إبطالها.
والقول بجواز ربح ما لم يضمن ما دام ليس طعامًا قول خطير يتنافى مع القواعد الثابتة كالخراج بالضمان، والغنم بالغرم، والخراج بالضمان -الذي ينقض هذا القول- حديث شريف صحيح. (36)
وذكر من قبل أن ابن حبيب من المالكية خالف أصحابه في هذا القول.