قال: [وقول الله عز وجل: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108] ].
(لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) والآية تتعلق بمسجد بناه أهل النفاق، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا} [التوبة:107] وهذا المسجد الذي بنوه سمي بمسجد الضرار، والذين اتخذوا المسجد إنما اتخذوه ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل هم المنافقون، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كان يصلي فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع المؤمنين، وهؤلاء المنافقون أرادوا مكانًا يجتمعون فيه لوحدهم بعيدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعملون فيه ما يريدون فبنوا مسجدًا، وأرادوا -تمويهًا على الناس- أن يأتوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليصلي في المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم خارجًا لغزوة تبوك لذلك لم يذهب ووعدهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا رجع سيصلي في هذا المكان، وقد بني هذا المسجد سنة تسع من الهجرة في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بنى هذا المسجد المنافقون ضرارًا أي: مضارة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولكي يكيدوا لهم، ويتجسسوا على أخبارهم وإذا جاء أحد من جواسيس الروم وغيرهم أخفوه في هذا المكان وأطلعوه على أسرار المسلمين بعيدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين.
وأيضًا حتى يحزبوا الناس فحزب يصلي هنا وحزب يصلي هناك، وأيضًا ليبعدوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن مواعظه وعن العلم الذي يؤخذ منه عليه الصلاة والسلام.
فيكون ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فيكون الغريب من جواسيس الكفار والمشركين ينزل في هذا المكان بعيدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو ورجع عليه الصلاة والسلام وأمر بهدم هذا المسجد.
وقيل: إنه أحرقه عليه الصلاة والسلام والله أعلم، لكن الغرض أن الله عز وجل أنزل القرآن يفضح هؤلاء، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} [التوبة:107] الآية، وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة:108] والأصل المفترض أن المسجد موقوف لله عز وجل ولكن هذا المسجد لم يكن بنية سليمة، فإنه بني للضرار، وللأذى، ولتفريق المسلمين فلذلك نهاه الله عز وجل عن أن يصلي في هذا المسجد وإن كانت الرواية التي جاءت في تحريق المسجد إسنادها ضعيف لكنها مشهورة عند أهل السير فذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم فيه وأرسل إليه فهدمه والله أعلم بذلك.
قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة:108] وانظر إلى كلمة أبدًا فلم يأمره أن يجعله لأمر آخر.
ولم يأمره أن يرسل إليه إمامًا يأتم بالناس فيه لأنه بني للمضارة، فعاقب هؤلاء على ما صنعوا ليكون سبة عليهم ولعنة عليهم فيما صنعوا لتفريق المؤمنين.
وحماية لجناب التوحيد وعبادة الله عز وجل نهى أن يصلي في هذا المكان أحد، حتى يعلم أن هذا مكان المنافقين الذي بنوه مضارة وأذى للمسلمين ومحادة لله عز وجل ولرسوله عليه الصلاة والسلام.