فدفعنا إلى زمان، إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي ( أنه قال كذا وكذا، يقول: من قال هذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، أو يجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفة الحديث وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ( بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الاجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ( وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان.
ولا يعرف إمام من أئمة المسلمين البتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله ( حتى نعرف من عمل به، فن جهل من بله الحديث من عمل به لم يحل له أن يعمل به كما يقول هذا القائل"(50) ."
فسنة الرسول ( ليست في الفعل فحسب بل هي في الترك أيضًا كما هي في الفعل.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"قف حيث وقف القوم، وقل كما قالوا واسكت كما سكتوا، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى وبالفضل لو كانوا فيها أحرى، أي فلإن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه، ولإن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، وأنهم لهم السابقون ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم مجسر، ولقد قصر عنهم قوم فجفوا وطمح آخرون عنهم فغلوا، فإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم" (51) .
قال في كتاب الإبداع في مضار الابتداع: (ص25-26) :"وأما ما تركه الرسول ( فاعلم أن سنة النبي ( كما تكون بالفعل تكون بالترك، فكلما كلفنا الله تعالى باتباع النبي ( في فعله الذي يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك طالبنا باتباعه في تركه فيكون الترك سنة."