إنَّ تاريخ حُرِّيَّة الصَّحافة هو تاريخ الصِّراع بين الصُّحف الحُرّة والسُّلطات التي سعت إلى قمع الحُرِّيَّات حماية لمصالحها وتكريسًا لنفوذها، ولن يتسع المجال هنا لسرد ما واجهته الصَّحافة من مصاعب، وما حقّقته من انتصارات ومكاسب.
"لقد تعرَّضت حُرِّيَّة الصَّحافة في أوربا لضروب شتى من الاستبداد ، وفي خلال أكثر من قرن ظلت الصَّحافة تحت رحمة الكنيسة والملوك، حتَّى إنَّ نشر أي مطبوع بغير ترخيص من السُّلطة كان يعاقب بالموت. وقد عبَّر عن ذلك المفكر الفرنسيّ فولتير (Voltaire) بقوله:"إنَّك لا يمكن أنْ تفكر إلاَّ برضاء الملك"."
وظلَّ هذا الوضع قائمًا، حتَّى قيام الثَّورة الفرنسيّة، حيث زاد عدد الصُّحف والمطبوعات الدَّوريّة من (41) عام 1779م إلى حوالي (1400) دوريّة عام 1789م، ولم يقلص العدد إلاَّ في عهد نابليون الأوّل الذي قال عام 1800م:"لو أنَّي تركت الصَّحافة تفعل ما تريده لخرجت من الحكم في غضون ثلاثة أشهر" [1] .
"وفي بريطانيا استمر العمل بسياسة تيودور (Tudor) الخاصّة بالسَّيطرة الصَّارمة على الصَّحافة طوال القرن السَّادس عشر، وذلك على هيئة امتيازات ملكيّة وأنظمة التَّرخيص، وأصبحت رسميّة عام 1589م. وظلت حُرِّيَّة الصَّحافة مسلوبة رغم إلغاء الرَّقابة عام 1695م، حيث استبدلت بسيطرة أكثر دهاء، تمثّلت في: الضَّرائب، والمنح، والمقاضاة الجنائيّة والبرلمانيّة. ولم يتقرّر للصَّحافة حُرِّيَّتها إلاَّ بعد صدور قانون لورد كامبل (Lord Campbell) عام 1843م الذي جعل إثبات صحة الواقعة دفاعًا مقبولًا في جريمة القذف. بعد أنْ كان توجيه النَّقد للحكومة يُعَدُّ جريمة قذف، ولو كانت الانتقادات صحيحة."
(1) جمال الدِّين العطيفيّ: حُرِّيَّة الصَّحافة، ص 166.