ولكن الواقع أثبت زيف هذه الحُرِّيَّة، التي فرضت على الصَّحافة الالتزام بالرَّأْي الشُّيوعيّ، وانهارت النَّظريّة الشُّيوعيّة، وانهار معها وهم الحُرِّيَّة الاجتماعيّة التي كانت مجرَّد شعار خادع لترويض الجماهير، وإذا كان المفهوم الشُّيوعيّ لحُرِّيَّة الصَّحافة قد وقع في أسر الخداع والتَّضليل؛ فإنَّ المفهوم الفاشيّ، اتّسم بالصِّدق والإنكار لهذا الحقّ، حيث عبَّر عنه"هتلر"بقوله:"على الدَّولة ألاَّ تفقد جادة الصَّواب، بسبب الخزعبلات المسمَّاة"حُرِّيَّة الصَّحافة"، وعلى الدَّولة ألاَّ تنسى واجبها، وعليها أنْ تقبض بيد من حديد على أداة تكوين الشَّعب ـ الصَّحافة ـ وتضعها في خدمة الدَّولة والأُمَّة". وعلى الرّغم من أنَّ معظم دول العالم الثَّالث، يعتنقون هذه الفلسفة ويمارسونها؛ إلاَّ أنَّهم لا يكفون عن ترديد شعارات مناصرة حُرِّيَّة الصَّحافة، في الوقت الذي يطاردون الصَّحافيّين بأغلظ العقوبات والقيود" [1] ."
ولا يختلف المفهوم العربيّ لحُرِّيَّة الصَّحافة عن مفهوم دول العالم الثَّالث، حيث لا تزال النَّظريّة السُّلطويّة تُطبق بحذافيرها في أغلب البلدان العربيّة، وهكذا تختلف مفاهيم حُرِّيَّة الصَّحافة، في النُّظم السِّياسيّة المختلفة باختلاف فلسفاتها والمصالح التي تخدمها. ففي المجتمعات الغربية تخص حُرِّيَّة الصَّحافة الفرد أولًا، ثم الجماعات الخاصّة"سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة"ثانيًا. وفي المجتمعات الاشتراكيّة، تُعَدُّ حُرِّيَّة الصَّحافة حقًّا جماعيًّا مفروضًا لحزب السُّلطة بافتراض أنَّه ممثل للشَّعب. أمَّا في دول العالم الثَّالث؛ فإنَّ حُرِّيَّة الصَّحافة امتياز حكوميّ يخص العديد من المصالح الرَّاسخة، سواء كانت سياسيّة، أم اقتصاديّة، أو عرقيّة، أو قبليّة أو مركز القوة"الجيش مثلًا".
(1) د. محمد سعد إبراهيم: حُرِّيَّة الصَّحافة، مرجع سابق، ص 27.