وكذلك لأنها متضمنة لصفاتٍ كاملةٍ , لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرًا.... [ فإذا كانت الصفة كمالًا في حال ، ونقصًا في حال ، لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق ، فلا تثبت له إثباتًا مطلقا ، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا ، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا وذلك كالمكر ، والكيد ، والخداع ، ونحوها .... فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها ؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد ، وتكون نقصًا في غير هذه الحال ، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها ،كقوله تعالى:"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"[آل عمران/54] ... وقوله:"إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا" [الطارق/15، 16] ... وقوله:"وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ" [الأعراف/182، 183] ...وقوله:"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ" [النساء/142] ...وقوله:"قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون َ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" [البقرة/14-15] ....
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى:"وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [الأنفال/71] فقال:"فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ"، ولم يقل: فخانهم ؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان ، وهي صفة ذم مطلقًا....وبهذا عرف أن قول بعض العوام: ( خان الله من يخون ) منكر فاحش ، يجب النهي عنه
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى - (ج 8 / ص 96) :