فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 2939

وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أوْ بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أوِ اسْتَقَرّ

إذًا الظرف نفسه ليس بخبر، وكذلك الجار والمجرور نفسه ليس بخبر وإنما المتعلَّق؛ لكن هل هو المتعلَّق مع الجار والمجرور أم المتعلَّق وحده؟ هذا محل نزاع بين النحاة، وهي: أن المتعلَّق مع المتعلِّق المجموع هل هو الخبر أم المتعلَّق وحده أم المتعلِّق وحده، إذا قلت: زيد في الدار، فقلنا: زيد كائن أو استقر، ما هو الخبر في حقيقته؟ هل هو كائن وفي الدار قيد له؟ أم أنه كائن مع قيده أم الظرف نفسه؟ ثلاثة أقوال للنحاة:

جمهور البصريين على أنه المجموع، الملفوظ به مع المتعلَّق، يعني: زيد كائن في الدار، كائن في الدار أو استقر في الدار هو الخبر، والصحيح أن المتعلَّق هو الخبر، لماذا؟ لأنهم اتفقوا بإجماع على أنهم إذا قالوا: زيد مسافر غدًا، ما هو الخبر؟ مسافر، وغدًا؟ هذا قيد متعلِّق ومسافر متعلَّق، مسافر متعلَّق وغدًا نقول: هذا متعلِّق.

إذًا ما دام أنهم فيما إذا صرح بالمتعلَّق الخاص وجعلوه خبرًا حينئذٍ طردًا للباب فليكن ذلك مثلهم، فنقول: الذي يكون خبرًا في الحقيقة وإن أطلق لفظ الخبر على الظرف مجازًا إلا أن المتعلَّق هو الظرف وليس المتعلِّق.

ذهب ابن كيسان إلى أن الخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف كائن أو استقر، وأن تسمية الظرف خبرًا مجاز، وتابعه ابن مالك رحمه الله تعالى.

وذهب الفارسي وابن جني إلى أن الظرف هو الخبر حقيقة، وأن العامل صار نسيًا منسيا، يعني: الظرف نفسه (عند) هو الخبر، وأما العامل قال: صار نسيًا منسيا، كيف صار نسيًا منسيا ونقول: (عند) منصوب بذلك العامل؟ لم يكن نسيًا منسيا، إذا صار نسيًا منسيا معناه: ذهب وأثره معه، ولكن لما بقي الأثر حينئذٍ لا يمكن نقول بأنه صار نسيًا منسيا، هذا قول ضعيف، وابن جني نحوي كبير.

إلى أن الظرف هو الخبر حقيقة، وأن العامل صار نسيًا منسيا.

وصحح ابن هشام في التوضيح أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف، وأن تقديره كائن أو مستقر -رجح اسم الفاعل- لا كان أو استقر، فإن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور بدليل:

(فَإنَّ فُؤَادِي عِنْدَكِ الدَّهْرَ أَجْمَعُ ... ) .

لأن استقر وكائن -إذا قيل استقر وكائن- فيهما الضمير فلما حذفا انتقل الضمير إلى الظرف، بدليل هذا: فَإنَّ فُؤَادِي عِنْدَكِ الدَّهْرَ أَجْمَعُ: أَجْمَعُ، بالرفع، ولا يمكن أن يكون تأكيدًا لفؤادي؛ لأنه منصوب اسم إن، ولا عندك؛ لأنه منصوب، ولا الدهر؛ لأنه منصوب، هذه كلها الثلاثة منصوبات، وأجمعُ بالرفع حينئذٍ صار تأكيدًا للضمير المستكن في قوله: (عندك) فيه ضمير مستكن، ولذلك عند المحققين -كما يقال-: عندك زيد، زيد عندك، ليس فيها إلا وجه واحد من حيث الإعراب، زيد: مبتدأ، وعند هذا متعلق بمحذوف خبر، وعندك زيد هذا يجوز في زيد وجهان:

أن يكون مبتدأً وخبره متقدم، وأن يكون فاعلًا بالاستقرار المحذوف الذي دل عليه عند؛ لأنك تقول: عندك زيد، عند متعلق بمحذوف استقر، واستقر يطلب فاعلًا، فحينئذٍ استقر عندك زيد، هذا التركيب، فالأصل فيه أن يكون زيد فاعل لذلك الاستقرار المحذوف هذا الأصل فيه، فيجوز فيه الوجهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت