فما روي عن قتيبة من إمالة هذا الحرف مخالفٌ لقراءة الكسائي المنقولة عنه بالتواتر، ولا يُقرأ للكسائي بالإمالة في هذا الحرف من طريقٍ صحيحٍ.
ولا يكاد أحد من أئمة الإقراء المعتبرين يسلم من نسبة شيءٍ من هذه الطرق والروايات إليه سواء كان في باب الإمالة أو غيره من أبواب الأصول مِمَّا لا تصح له به القراءة وإن روي من طُرُق وروايات أُخرى صحيحة.
وهذا كثيرٌ مبثوثٌ في كتب القراءات التي لم يقتصر مؤلفوها على الصحيح، بل جمعوا فيها كُلّ ما وصل إليهم، ولا يميز ذلك إلاَّ العارفون من القُرَّاء الضابطون لقواعد هذا الفن وأصوله.
فهذه الروايات ونحوها يحسن تسميتها بالانفرادات، لأَّنها رويت من طُرُقٍ صحيحةٍ عن بعض الأئمة، وقُرِيءَ لهم بها، وانفرد بها بعض الرواة عن بعضٍ آخر من الأئمة. فجاءتنا من طُرُقٍ يعوزها اتِّصال السند والتواتر عن هذا البعض، لذا لم يُقرأ لهم بها.
القسم الثالث:
قسمٌ فقد شرط الصحة والتواتر: وروي من بعض الطُّرٌق والروايات عن بعض الأئمة، غير أنَّه لم تصح عنهم القراءة به، فهذا شاذ لا يجوز القراءة به عنهم.
وهذا هو موضوع بحثنا هذا، فقد استقصيت وجمعت ما يمكن جمعه من إمالات هذا القسم ليكون طالب العلم مُمَيزًا له. فلا يلتبس عليه بالنوعين السابقين.
وقد اشتهر بهذا القسم الأخير بعض الرواة لكثرة ما نُسِبَ إليهم منه، منهم على سبيل المثال:
(1) قتيبة بن مهران أبو عبد الرحمن الأزاذاني: إمام مقري صالح ثقة، أخذ القراءة عرضًا وسماعًا عن الكسائي، وسليمان بن جماز، وإسماعيل بن جعفر، روى عنه عرضًا وسماعًا أبو بشر يونس بن حبيب، وأحمد بن محمَّد بن حوثرة. مات بعد سنة (200هـ) (1) .
انفرد بإمالات رُوِيَت عنه من طريقين:
إحداهما: طريق الأصفهاني.
والثانية: طريق أهل العراق.
فأمَّا طريق الأصفهانيين فمِن جهة أبي بكر المطرز.
(1) غاية النهاية: 2/26، معرفة القرَّاء الكبار للذهبي: 1/174.