فهرس الكتاب

الصفحة 7217 من 8432

لِخُصُوصِهِ ، وَمَنْ حَكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ غَيْرَ هَذَا حَرَّفَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ شَرْحَهُ دَالٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ رَجُلٍ مَنَّ عَلَيْهِ ، فَوَهَبَهُ لَهُ ، فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا لَبِسَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى مَخْرَجِ الْيَمِينِ ، ثُمَّ أُحْنِثُ صَاحِبَهَا أَوْ أُبِرُّهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْبَابَ مُتَقَدِّمَةٌ وَالْأَيْمَانَ بَعْدَهَا مُحَدَثَةٌ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مِثَالِهَا وَعَلَى خِلَافِهَا ، فَأُحْنِثُهُ عَلَى مَخْرَجِ يَمِينِهِ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَوْ كَانَ قَالَ: وَهَبْتُ لَهُ مَالِي ، فَحَلَفَ لِيَضْرِبَنَّهُ ، أَمَا يَحْنَثُ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ ؟ وَلَيْسَ يُشْبِهُ سَبَبَ مَا قَالَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ عَقْدَ الْأَيْمَانِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا ابْتَدَأَ الْحَالِفُ عَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا سَبَبٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ، فَيَقُولُ مُبْتَدِئًا"وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا"فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ كَلَامِهِ ، أَوْ يَقُولُ: لَا أَكَلْتُ طَعَامَهُ . فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ أَكْلِ طَعَامِهِ ، أَوْ لَا لَبِسْتُ لَهُ ثَوْبًا ، فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ لُبْسِ ثِيَابِهِ ، أَوْ لَا رَكِبْتُ لَهُ دَابَّةً ، فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ رُكُوبِ دَوَابِّهِ . وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَمْ يُخَالِفْنَا مَالِكٌ فِي شَيْءٍ . وَتَكُونُ الْيَمِينُ مَقْصُورَةً عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الِاسْمُ مِنْ خُصُوصٍ وَعُمُومٍ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَتَقَدَّمَ الْيَمِينَ أَسْبَابٌ دَعَتْ إِلَيْهَا ، مِثْلَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِإِحْسَانٍ أَوْ صِلَةٍ إِلَيْهِ ، أَوْ بِمَالٍ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ ، فَبَعَثَهُ ذَلِكَ عَلَى الْيَمِينِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَا لَبِسْتُ لَكَ ثَوْبًا ، وَلَا شَرِبْتُ لَكَ مَاءً مِنْ عَطَشٍ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا ، هَلْ تَكُونُ الْيَمِينُ مَحْمُولَةً عَلَى السَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ مَقْصُورَةً عَلَى الْعَقْدِ الْمُتَأَخِّرِ ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الْحَالِفِ فِي عُقُودِهَا ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنْ سَبَبِهَا ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ لَهُ ثَوْبًا لَمْ يَحْنَثْ بِرُكُوبِ دَوَابِّهِ ، وَلَا بِأَكْلِ طَعَامِهِ . وَلَا بِدُخُولِ دَارِهِ . وَإِذَا حَلَفَ لَا شَرِبْتُ لَكَ مِنْ عَطَشٍ لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِ غَيْرِ الْمَاءِ مِنَ الشَّرَابِ وَلَا بِلُبْسِ الثِّيَابِ وَلَا بِرُكُوبِ الدَّوَابِّ ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: إِنَّ يَمِينَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّبَبِ الدَّاعِي إِلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ سَبَبُهَا الْمِنَّةَ عَامَّةً ، حَنِثَ بِكُلِّ نَفْعٍ عَادَ إِلَيْهِ . فَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ لَهُ ثَوْبًا حَنِثَ بِأَكْلِ طَعَامِهِ وَرُكُوبِ دَوَابِّهِ ، وَسُكْنِ دَارِهِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا شَرِبْتُ لَكَ مَاءً مِنْ عَطَشٍ حَنِثَ بِكُلِّ أَقْوَالِهِ ، وَحَنِثَ إِنِ اسْتَظَلَّ بِجِدَارِ دَارِهِ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ السَّبَبِ ، وَإِلْغَاءِ الْخُصُوصِ فِي الْيَمِينِ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْأَيْمَانِ تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْعُرْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا بَعْضُ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ جَازَ أَنْ يَتَجَاوَزَ خُصُوصُهَا بِالْعُرْفِ إِلَى غَيْرِ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت