وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْفَعَةٍ صَحَّ أَنْ يَبْذُلَهَا الْغَيْرُ عَنِ الْغَيْرِ تَبَرُّعًا جَازَ أَنْ يَبْذُلَهَا مَهْرًا ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمُبَاحَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ عَسِيبُ الْفَحْلِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَاءُ ، وَهُوَ عَيْنٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْفَعَةٍ . فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ: فَنَحْنُ نَقُولُ بِنُطْقِهَا ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِدَلِيلِهَا ، وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، فَقَدْ نَقَلْنَا عَنْهُ نُطْقَ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ تَارَةً ، وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أُخْرَى . وَحَدِيثُ عُبَادَةَ أَثْبَتُ ، وَأَيُّهُمَا صَحَّ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمُهُ لِلْقُرْآنِ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَعِتْقِ أَمَتِهِ: فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ، وَيَنْتَفِعُ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا . فَإِنْ قِيلَ: فَهِيَ تَنْتَفِعُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ، أَوْ عِتْقِ أَمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِهَا . قِيلَ: مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ مَعَ الضَّرَّةِ وَالْأَمَةِ مِثْلُ مَا تَسْتَحِقُّهُ مُنْفَرِدَةً ، فَلَمْ يَعُدْ عَلَيْهَا مِنْهُ نَفْعٌ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ قُرْبَةٌ ، فَمُنْتَقَضٌ بِكَتْبِ الْمَصَاحِفِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا ، وَإِنْ كَانَ قُرْبَةً . ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ أَنَّ النِّيَابَةَ فِيهِمَا لَا تَصِحُّ ، وَأَنَّ نَفْعَهُمَا لَا يَعُودُ عَلَى غَيْرِ فَاعِلِيهِمَا ، وَلَيْسَ كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ ، وَيَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ أَنَّهُ فَرْضٌ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، فَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ فَرْضًا ، فَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ الْأُجْرَةُ فِيمَا كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، كَغَسْلِ الْمَوْتَى ، وَحَمْلِ الْجَنَائِزِ ، وَحَفْرِ الْقُبُورِ . فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا أَصْدَقَهَا مِنْهُ مَعْلُومًا تَنْتَفِي عَنْهُ الْجَهَالَةُ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ الْمَجْهُولَ حكمه لَا يَصِحُّ .
[ أَحْوَالُ الصَّدَاقِ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ . وَالثَّانِي: تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنْهُ . وَالثَّالِثُ: تَعْلِيمَ آيَاتٍ مِنْهُ . الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ ، فَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فَجَمِيعُهُ مَعْلُومٌ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ بِأَيِّ قِرَاءَةٍ يُلَقِّنُهَا ، فَإِنَّ حُرُوفَ الْقُرَّاءِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي ، وَالسُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ .