فهرس الكتاب

الصفحة 7216 من 8432

فَيُغَيِّرَهُ عَنْ صِفَتِهِ ، أَوْ يَلْبَسُهُ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَقَعُ بِهِ حِنْثُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَحْنَثُ بِلُبْسِهِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ ، فَإِنْ غَيَّرَ الْقَمِيصَ سَرَاوِيلَ أَوِ ارْتَدَى بِهِ أَوْ غَيَّرَ السَّرَاوِيلَ مَنْدِيلًا ، أَوِ اتَّزَرَ بِهِ حَنِثَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْعَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ وَلِحُكْمِ الْفِعْلِ عَلَى الْعَادَةِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ يَحْنَثُ بِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَهُوَ رِدَاءٌ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، صِفَةً لِلثَّوْبِ ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْحَالِفِ شَرْطًا فِي الْحِنْثِ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَوْ قَالَ: هَذَا لَمْ يَحْنَثْ إِذَا لَبِسَهُ وَهُوَ غَيْرُ رِدَاءٍ". وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُزَنِيِّ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِلُبْسِهِ ، إِذَا غَيَّرَهُ عَنْ صِفَتِهِ ، وَلَا إِذَا لَبِسَهُ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ ، فَإِنْ جَعَلَ الرِّدَاءَ قَمِيصًا ، أَوِ الْقَمِيصَ سَرَاوِيلَ ، وَارْتَدَى بِالْقَمِيصِ ، أَوِ اتَّزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، حَتَّى يَتَقَمَّصَ بِالْقَمِيصِ ، وَيَتَسَرْوَلَ بِالسَّرَاوِيلِ وَيَرْتَدِيَ بِالرِّدَاءِ ، فَيَجْمَعَ بَيْنَ بَقَائِهِ عَلَى صِفَتِهِ ، وَبَيْنَ لُبْسِهِ عَلَى عَادَتِهِ ، حَتَّى حُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ خَاتَمًا ، فَلَبِسَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ مِنْ أَصَابِعِهِ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ عَادَةِ لُبْسِهِ ، وَالْعُرْفُ وَالْعَادَةُ فِي الْأَيْمَانِ شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقَمِيصِ ، وَالسَّرَاوِيلِ ، وَلَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ وَاتَّزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ ، جَازَ وَلَمْ يُكَفِّرْ . وَتَأَوَّلَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِحِنْثٍ عَلَى النَّفْيِ أَيْ لَا يَحْنَثُ بِهِ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ لِكَلَامِهِ زَلَلٌ مِنْ قَائِلِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ بَعْدَهُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا نَحْسُبُهُ إِلَّا عَلَى نِيَّتِهِ ، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ ، وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ ضِدُّ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ إِلَى نَفْيٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَثْنَى النَّفْيُ مِنَ الْإِثْبَاتِ ، وَيُسْتَثْنَى الْإِثْبَاتُ مِنَ النَّفْيِ ، فَدَلَّ عَلَى فَسَادِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَا قَالَهُ مِنَ الْحُكْمِ وَجْهٌ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الثَّوْبِ حَنِثَ بِلُبْسِهِ ، عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، فَإِنِ اشْتَمَلَ بِهِ أَوِ ارْتَدَى أَوْ تَعَمَّمَ ، أَوْ قَطَعَهُ قَمِيصًا ، أَوْ سَرَاوِيلَ حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى قَمِيصٍ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا غَيَّرَهُ فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ ، أَوِ ارْتَدَى بِهِ ، وَلَمْ يَتَقَمَّصْ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ اسْمِ الثَّوْبِ وَالْقَمِيصِ بِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ عَامٌّ ، يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ مَلْبُوسٍ ، وَلَا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الثَّوْبِ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ ، وَاسْمَ الْقَمِيصِ خَاصٌّ ، يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْقَمِيصِ ، إِذَا غَيَّرَهُ فَجُعِلَ سَرَاوِيلَ ، أَوْ يَخْرُجُ عَنِ الْعُرْفِ ، إِذَا لُبِسَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ مِنَ الِارْتِدَاءِ بِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِتَغْيِيرِ لُبْسِهِ ، وَلَا بِتَخْيِيرِ قَطْعِهِ ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِبَقَاءِ الِاسْمِ عَلَى الثَّوْبِ إِذَا غُيِّرَ لِعُمُومِهِ وَزَوَالِهِ عَنِ الْقَمِيصِ ، إِذَا غُيِّرَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت