فهرس الكتاب

الصفحة 6825 من 8432

فَبَايَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ أَجْلِهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذِي الْعَشِيرَةِ الْمَانِعَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الرَّدِّ . وَمِثْلُهُ مَا قُلْنَاهُ: فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بِعَشِيرَتِهِ إِذَا أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَضْعَفًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ ، فَصَارَ الرَّدُّ مَقْصُورًا عَلَى طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ الْمُمْتَنِعَةُ بُيُوتُهَا لِقُوَّتِهَا وَمَنْعُ الرَّدِّ مُشْتَمِلًا عَلَى طَائِفَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ النِّسَاءِ مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ ، وَالْمُسْتَضْعَفَاتِ . وَالثَّانِي: الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الرِّجَالِ ، وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ إِذَا وَصَفُوا الْإِسْلَامَ عِنْدَ الْمُرَاهَقَةِ مَمْنُوعُونَ مِنَ الرَّدِّ ، وَإِنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ . نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، فَجَعَلَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، وَذَهَبَ جَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ ، وَمَنْصُوصِهِ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ أَنَّ إِسْلَامَهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ رَدِّهِ اسْتِظْهَارًا لِدِينِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَا هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ . فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ رُدَّ إِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا ، وَلَمْ يُرَدَّ إِنْ كَانَ مُسْتَضْعَفًا ، وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ حُمِلَ عَلَى هُدْنَةِ قَوْمِهِ . فَلَوْ شَرَطَ فِي الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ عقد الهدنة بَطَلَتْ: لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ يَقْتَضِي عُمُومَ الرَّدِّ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ ، وَمِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ عُمُومُهُ بِالْعُرْفِ فِيمَنْ يَجُوزُ رَدُّهُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا التَّفْصِيلُ ، فَالْكَلَامُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهَا: فِي النِّسَاءِ . وَالثَّانِي: فِي الرِّجَالِ . فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي النِّسَاءِ ، فَلَيْسَ لَهُنَّ إِلَّا حَالٌ وَاحِدَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ رَدِّهِنَّ ، فَإِذَا مَنَعَ الْإِمَامُ مِنْهُ نُظِرَ فِي الطَّالِبِ لَهُنَّ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ زَوْجٍ مِنِ ابْنٍ أَوْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ إِذَا امْتَنَعَ: لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَنْ بُضْعِهَا بَدَلًا . وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ لَهَا زَوْجَهَا قِيلَ لَهُ: إِنْ أَسْلَمْتَ فِي عِدَّتِهَا كُنْتَ عَلَى نِكَاحِكَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ مُنِعْتَ مِنْهَا عقد الهدنة ، وَنُظِرَ فِي مَهْرِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، وَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهَا ، فَعَنْ رُجُوعِهِ بِهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي امْتِنَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَدِّهِنَّ ، هَلْ كَانَ لِنَسْخٍ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَوْ كَانَ مَعَ تَقَدُّمِ الْحَظْرِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ رَدَّ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ هُدْنَتِهِ ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا فِي مَنْعِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ لَمْ يُطَالَبْ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت