فهرس الكتاب

الصفحة 6824 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، فَعَلَى هَذَا ، عَنْ هَذَا النَّسْخِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ كَانَ مُسْتَبَاحًا بِعُمُومِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي إِبَاحَةِ النِّكَاحِ ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ ، فَكَانَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِقُرْآنٍ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ كَانَ مُسْتَبَاحًا بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نَسَخَتْهُ السُّنَّةُ بِمَا رُوِيَ مِنْ إِبْطَالِ الشَّرْطِ فِي هُدْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

فَصْلٌ: فَأَمَّا حُكْمُ الشَّرْطِ فِي هُدْنَةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَعْصَارِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُهَادَنُوا عَلَى رَدِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نِسَائِهِمْ عقد الهدنة بِحَالٍ ، وَلَئِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي هُدْنَتِهِ ، فَقَدْ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْطِ فِي حَظْرِ الرَّدِّ ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ مِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ . فَأَمَّا اشْتِرَاطُ رَدِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ عقد الهدنة ، فَمُعْتَبَرٌ بِأَحْوَالِهِمْ عِنْدَ قَوْمِهِمْ ، وَفِي عَشَائِرِهِمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَذَلِّينَ فِيهِمْ ، لَيْسَ لَهُمْ عَشِيرَةٌ تَكُفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ ، وَطَلَبُوهُمْ لِيُعَذِّبُوهُمْ ، وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَذِّبُ بِلَالًا . وَعَمَّارًا وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ ، لَمْ يَجُزْ رَدُّهُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ الشَّرْطُ فِي رَدِّهِمْ بَاطِلًا ، كَمَا بَطَلَ فِي رَدِّ النِّسَاءِ حَقْنًا لِدِمَائِهِمْ ، وَكَفًّا عَنْ تَعْذِيبِهِمْ وَاسْتِذْلَالِهِمْ ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ مَالَهُ وَدَمَهَ ، وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ فَكُّ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى أَسْرِ مُسْلِمٍ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ ، وَمَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ أَوْ يَسْتَذِلَّهُ مُسْتَطِيلٌ عَلَيْهِ ، جَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ ، وَصَحَّتِ الْهُدْنَةُ بِاشْتِرَاطِ رَدِّهِ . قَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَبَا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ ، وَرَدَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عَلَى أَبِيهِ: وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي عَشِيرَةٍ ، وَطَلَبَهُمْ أَهْلُوهُمْ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ ، وَفَادَى الْعَقِيلِيَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَا أَسِيرَيْنِ فِي قَوْمِهِ ، لِقُوَّةِ عَشِيرَتِهِ فِيهِمْ . وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ مُرَاسَلَةَ قُرَيْشٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، فَعَرَضَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ إِنِّي قَلِيلُ الْعَشِيرَةِ بِمَكَّةَ ، وَلَا آمَنُهُمْ عَلَى نَفْسِي ، فَعَرَضَ عَلَى عُمَرَ ، فَقَالَ مِثْلَ ( ذَلِكَ ) فَقَالَ لِعُثْمَانَ: أَنْتَ كَثِيرُ الْعَشِيرَةِ بِمَكَّةَ ، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فَلَقُوهُ بِالْإِكْرَامِ وَقَالُوا لَهُ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَتَحَلَّلْ مِنْ إِحْرَامِكَ ، فَقَالَ: لَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْصُورٌ عَنِ الطَّوَافِ ، فَانْقَلَبُوا عَلَيْهِ ، حَتَّى بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قُتِلَ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت