فهرس الكتاب

الصفحة 6823 من 8432

يُجْرِيَهُنَّ فِي الرَّدِّ مُجْرَى الرِّجَالِ: لِيَمُنَّ عَلَيْهِنَّ بِرَدِّهِنَّ: لِظَنِّهِمْ أَنَّ رَدَّهُنَّ جَائِزٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَنْعَ مِنْ رَدِّهِنَّ: لِيَكُونَ حُجَّةً لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الِامْتِنَاعِ ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْهُ ، وَجَعَلَ رَدَّ الْمَهْرِ عَلَى الْأَزْوَاجِ تَوْكِيدًا لِعَقْدِ الْهُدْنَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْلَقَ فِي شَرْطِ الْعَقْدِ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ: وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ النِّسَاءِ فِي رَدٍّ وَلَا مَنْعٍ ، فَكَانَ ظَاهِرُ الْعُمُومِ مِنَ الشَّرْطِ اشْتِمَالَهُ عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ ، وَإِنْ كَانَ تَخْصِيصُهُ مُحْتَمِلًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى خُرُوجَهُنَّ مِنْ عُمُومِهِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُرَادُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَتَمَسَّكَتْ قُرَيْشٌ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ فِي رَدِّ النِّسَاءِ ، فَأَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُرُوجَهُنَّ مِنَ الْعُمُومِ بِمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحَ بِرَدِّهِنَّ فِي شَرْطِ هُدْنَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذِكْرِ الرِّجَالِ حَتَّى مَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَدِّهِنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ اشْتِرَاطِهِ لِرَدِّهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ ، وَلَوْلَا سَهْوُهُ عَنْهُ ، لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَسْهُو كَغَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ لَكِنْ لَا يُقِرُّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خَطَأٍ ، فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لَهُمْ فِي السَّهْوِ مُبَايِنًا لَهُمْ فِي الْإِقْرَارِ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ اسْتِدْرَاكًا لِسَهْوِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِحَظْرِهِ لَكِنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ وَقْتِهِ فِي حَسْمِ الْقِتَالِ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَقَدْ يُفْعَلُ فِي الِاضْطِرَارِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ فِي الِاخْتِيَارِ ، فَلَمَّا زَالَتْ ضَرُورَتُهُ مَنَعَ مِنْهُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ مُبَاحًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَنْ تُقَرَّ الْمُسْلِمَةُ عَلَى نِكَاحِ كَافِرٍ ، وَلِذَلِكَ أَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى نِكَاحِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَكَانَ عَلَى كُفْرِهِ إِلَى أَنِ انْتَزَعَهَا مِنْهُ حَتَّى أَسْلَمَ ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ رَدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نِسَائِهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ، وَنَسَخَهُ ، فَامْتَنَعَ مِنْهُ وَأَبْطَلَ شَرْطَهُ فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ: فَمَذْهَبُكُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ السُّنَّةَ إِلَّا السُّنَّةُ ، وَالْقُرْآنَ إِلَّا الْقُرْآنُ فَكَيْفَ نَسَخَ السُّنَّةَ هَاهُنَا بِالْقُرْآنِ . قِيلَ: أَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُنْسَخَ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ فَعَلَى هَذَا سَقَطَ السُّؤَالُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت