قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا ذَكَرَ ، يُكْرَهُ أَنْ يَغْزُوَ قَوْمٌ بِغَيْرِ إِذَنِ الْإِمَامِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَعْرَفُ بِجِهَادِ الْعَدُوِّ مِنْهُمْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ: أَعَانَهُمْ وَأَمَدَّهُمْ ، فَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ ، إِنْ غَزَوْا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ ، وَسَوَاءٌ كَانُوا فِي مَنَعَةٍ أَوْ غَيْرِ مَنَعَةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي مَنَعَةٍ ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْمَنَعَةُ عَشَرَةٌ ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِبَاحَةِ: قَدْ أَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَرِيَّةً وَحْدَهُمَا ، وَأَنْفَذَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ: لِقَتْلِ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ وَهُوَ فِي الْعُدَّةِ وَالْعَدَدِ ، وَأَنْفَذَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَقَتَلَهُ ، وَأَنْفَذَ نَفَرًا لِقَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ فَقَتَلُوهُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِلَّةِ أَكْثَرُ مِنْ بَذْلِ النَّفْسِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَهَذَا غَيْرُ مَحْظُورٍ: قَدْ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقِتَالِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ قُتِلْتُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مَا الَّذِي لِي ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى قُتِلَ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَالِ الطائفة التي غزت بغير إذن الإمام مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذُوهُ عَنْوَةً بِقِتَالٍ ، فَهَذَا غَنِيمَةٌ يُخَمِّسُهُ الْإِمَامُ وَيَقْتَسِمُوا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتْرُكُهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُخَمِّسُهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ خُمْسِهِ مِنْهُمْ ، أَوْ تَرْكِ جَمِيعِهِ عَلَيْهِمْ ، أَوْ تَخْمِيسِهِ ، وَقَسْمِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ بَيْنَهُمْ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وُجُوبِ تَخْمِيسِهِ بِمَا مَضَى ، وَلَا تَأْدِيبَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُؤَدِّبُهُمُ الْإِمَامُ عُقُوبَةً لَهُمْ وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الِانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ تَأْدِيبٌ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذُوا الْمَالَ صُلْحًا بِغَيْرِ قِتَالٍ ، فَهَذَا الْمَالُ فَيْءٌ لَا يَسْتَحِقُّونَهُ: يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِأَهْلِ الْفَيْءِ ، وَخُمْسُهُ لِأَهْلِ الْخُمْسِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذُوا الْمَالَ اخْتِلَاسًا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا صُلْحٍ .