وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَفِيهِ قَوْلَانِ ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْكَافِرِ إِذَا ابْتَاعَ عَبْدًا مُسْلِمًا: فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ: إِنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الْجَارِيَةَ ، وَتُدْفَعُ إِلَيْهِ قِيمَتُهَا ، فَإِنْ أَسْلَمَ مِنْ بَعْدُ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا لِانْتِقَالِ حَقِّهِ مِنْهَا إِلَى قِيمَتِهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ ، وَيَمْنَعُ مِنْ إِقْرَارِهِ عَلَى مِلْكِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ الدَّلِيلُ الْجَارِيَةَ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، وَيُمْنَعُ مِنْهَا ، حَتَّى يَبِيعَهَا ، أَوْ يُسْلِمَ فَيَسْتَحِقُّهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثِ بِيعَتْ عَلَيْهِ جَبْرًا وَدُفِعَ إِلَيْهِ ثَمَنُهَا . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تُوجَدَ الْجَارِيَةُ فِي الْقَلْعَةِ مَيِّتَةً فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا كَلَامًا مُحْتَمَلًا فِي غُرْمِ الْقِيمَةِ لَهُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ: لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فِي الْحَالَيْنِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قِيمَةَ لَهُ: لِأَنَّ الْمَيِّتَةَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا ، وَخَالَفَتِ الَّتِي أَسْلَمَتْ لِمَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَنْظُرَ ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا اسْتَحَقَّ قِيمَتَهَا ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسَلُّمِهَا فَلَا قِيمَةَ لَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ الشَّافِعِيِّ مَحْمُولًا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ ، فَهَذَا حُكْمُ فَتْحِ الْقَلْعَةِ عَنْوَةً .
فَصْلٌ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تُفْتَحَ صُلْحًا ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَدْخُلَ الْجَارِيَةُ فِي الصُّلْحِ ، فَيَكُونَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا مَضَى مِنْ فَتْحِهَا عَنْوَةً . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنَّ تَدْخُلَ فِي الصُّلْحِ ، وَهُوَ أَنْ يُصَالِحَنَا عَلَى فَتْحِهَا عَلَى أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ، وَتَكُونَ هِيَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقَّانِ: أَحَدُهُمَا: لِلدَّلِيلِ فِي عَقْدِ جَعَالَتِهِ . وَالثَّانِي: لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ فِي عَقْدِ صُلْحِهِ ، وَكِلَا الْعَقْدَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: الْأَوَّلُ صَحِيحٌ ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ اعْتِبَارًا بِعَقْدَيِ النِّكَاحِ وَعَقْدَيِ الْبَيْعِ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَصَحَّ أَسْبَقُهُمَا ، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْعَقْدِ أَوْسَعُ مِنْ حُكْمِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ ، لِجَوَازٍ بِمَجْهُولٍ وَغَيْرِ مَمْلُوكٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَفَى أَمْضَيْنَا صُلْحَ الثَّانِي ، وَلَوْ فَسَدَ لَمْ يَمْضِ إِلَّا بِعَقْدٍ