وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ حَاصَرَ مَدِينَةَ السُّوسِ ، فَصَالَحَهُ دِهْقَانُهَا عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ الْمَدِينَةَ ، وَيُؤَمِّنَ مِائَةَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهَا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَخْـدَعَهُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَمَّا عَزَلَهُمْ قَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَفَرَغْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَأَمَّنَهُمْ أَبُو مُوسَى ، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الدِّهْقَانِ قَالَ: أَتَغْدُرُ بِي وَقَدْ أَمَّنْتَنِي ؟ قَالَ: أَمَّنْتُ الْعِدَّةَ الَّذِينَ سَمَّيْتَ ، وَلَمْ تُسَمِّ نَفْسَكَ فَنَادَى بِالْوَيْلِ وَبَذَلَ مَالًا كَثِيرًا ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَقَتَلَهُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَا: فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا فِي عِلْجٍ اشْتَرَطَ أَنْ يَدُلَّ الْمُسْلِمِينَ علـى قَلْعَةٍ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ جَارِيَةً مِنْهَا سَمَّاهَا: فَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا ، فَهَذَا شَرْطٌ صَحِيحٌ تَصِحُّ بِهِ الْجَعَالَةُ مَعَ الْجَهَالَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَا يَخْلُو حَالُ الْقَلْعَةِ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا مِنْ أَنْ يَظْفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِفَتْحِهَا ، أَوْ لَا يَظْفَرُوا ، فَإِنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِفَتْحِهَا فَلَا شَيْءَ لِلدَّلِيلِ: لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ جَارِيَةً مِنْهَا صَارَتْ جَعَالَتُهُ مُسْتَحَقَّةً بِشَرْطَيْنِ: الدَّلَالَةُ ، وَالْفَتْحُ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّهَا بِأَحَدِ الشَّرْطَيْنِ ، وَلَوْ جَعَلَ شَرْطَهُ فِي الْجَعَالَةِ شَيْئًا فِي غَيْرِ الْقَلْعَةِ اسْتَحَقَّهُ بِالدَّلَالَةِ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فَتْحُهَا: لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الدَّلَالَةُ وَقَدْ وُجِدَتْ ، وَإِنْ ظَفِرُوا بِالْقَلْعَةِ وَفَتَحُوهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَظْفَرُوا بِفَتْحِهَا عَنْوَةً ، حَالُ الْجَارِيَةِ فِيهَا مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ ، وَلَا فِيهَا فَلَا شَيْءَ لِلدَّلِيلِ لِاشْتِرَاطِ مَعْدُومٍ ، وَيُسْتَحَبُّ لَوْ أُعْطِيَ رَضْخَا ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ، فَلَوْ وُجِدَتِ الْجَارِيَةُ فِي غَيْرِ الْقَلْعَةِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ كَانَ كَوُجُودِهَا فِي الْقَلْعَةِ فَيَسْتَحِقُّهَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْقَلْعَةِ فَلَا حَقَّ لِلدَّلِيلِ فِيهَا: لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ جَارِيَةً مِنَ الْقَلْعَةِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا وَلَا مِنْ أَهْلِهَا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ مَوْجُودَةً فِي الْقَلْعَةِ بَاقِيَةً عَلَى شِرْكِهَا ، فَيَسْتَحِقُّهَا الدَّلِيلُ ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَانِمِينَ ، وَلَا يُعَاوِضُهُمُ الْإِمَامُ عَنْهَا لِاسْتِحْقَاقِهَا قَبْلَ الْفَتْحِ ، فَصَارَتْ كَأَمْوَالِ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ مَوْجُودَةً فِي الْقَلْعَةِ ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَهِيَ حُرَّةٌ ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا فَلَا يَسْتَحِقُّهَا الدَّلِيلُ ، لِمَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهَا وَيَسْتَحِقُّ قِيمَتَهَا: لِأَنَّ شَرْعَنَا مَنَعَهُ مِنْهَا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُعَاوَضَ عَنْهَا بِقِيمَتِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّلِيلُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، فَهِيَ مُسْتَرَقَّةٌ لَا يَرْتَفِعُ رِقُّهَا بِالْإِسْلَامِ وَلِلدَّلِيلِ حَالَتَانِ . إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَيَسْتَحِقَّ الْجَارِيَةَ .