فهرس الكتاب

الصفحة 6315 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمَكَّنُ مِنْ قَطْعِهَا فِي السَّرِقَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ مَنْ قَطَعِهَا قِصَاصًا: لِأَنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ إِذَا تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ . وَقَطْعُ الْقِصَاصِ مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّي ، فَكَانَ مُسْتَحِقُّ التَّشَفِّي أَوْلَى بِهِ .

فَصْلٌ: وَلَا يُقْطَعُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَلَا بَرْدٍ شَدِيدٍ إقامة الحد على السارق خَوْفًا مِنْ تَلَفِهِ فِيهِ ، كَمَا لَا يُحَدُّ الزَّانِي فِي شِدَّةِ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ ، وَكَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ فِي مَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ من أحكام السارق ؟: لِأَنَّ الْقَطْعَ فِيهِ أَشَدُّ خَوْفًا ، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ لَا تُقْطَعُ فِي حَمْلِهَا خَوْفًا عَلَيْهَا وَعَلَى حَمْلِهَا ، وَلَا فِي نِفَاسِهَا خَوْفًا عَلَيْهَا: لِئَلَّا يَجْتَمِعَ دَمُ النِّفَاسِ وَدَمُ الْقَطْعِ فَيُفْضِي إِلَى تَلَفِهَا ، قَدْ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَطْعِ جَارِيَةٍ نُفَسَاءَ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِنْ سَرَقَ الْخَامِسَةَ عُزِّرَ وَحُبِسَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، لَا يُتَجَاوَزُ بِالسَّارِقِ قَطْعُ أَطْرَافِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي أَرْبَعِ سَرِقَاتٍ ، فَإِنْ سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ عُزِّرَ وَلَمْ يُقْتَلْ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَطَاءٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ السارق بعد المرة الرابعة: لِرِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ . وَدَلِيلُنَا: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ وَهَذَا قَوْلٌ قَصَدَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيَانَ ، وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهُ فِي الْخَامِسَةِ لَأَبَانَهُ كَمَا أَبَانَ قَطْعَهُ فِي الْأَرْبَعِ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ الْبَيَانِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ جَمِيعِهِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ أَنْ تَحْتَمِلَ وُجُوهًا . وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ: أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ: لِأَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ فِي الْخَامِسَةِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ ، وَعَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ بَعْدَهُ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْقَتْلِ ، فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّمِ نَسْخِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلُوهُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ أَوْجَبَتْ حَدًّا لَمْ يَكُنْ تَكْرَارُهَا مُوجِبًا لِلْقَتْلِ كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا يُقْطَعُ الْحَرْبِيُّ إِذَا دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُقِيمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُسْلِمٍ ، وَذِمِّيٍّ ، وَمُسْتَأْمَنٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت