يُتَبَيَّنُ مَفْصِلُهَا السارق عند قطع يده ، وَيَتَوَلَّى قَطْعَهُ مَأْمُونٌ عَارِفٌ بِالْقَطْعِ بِأَحَدِّ سِكِّينٍ وَأَمْضَاهَا ، وَلَا يَضْرِبُهَا بِالسِّكِّينِ فَرُبَّمَا يُخْطِئُ مَوْضِعَ الْمِفْصَلِ ، وَلَكِنْ يَضَعُ السِّكِّينَ عَلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ جَذْبَهَا بِقُوَّتِهِ حَتَّى تَنْفَصِلَ بِجَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُكَرِّرُهَا ، فَإِنْ لَمْ تَنْفَصِلْ بِجَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَعَادَهَا حَتَّى تَنْفَصِلَ ، وَلَا يَدُقُّ السِّكِّينَ بِحَجَرٍ ، فَإِذَا انْفَصَلَتْ حَسَمَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ يَدِهِ السارق بعد قطع يه ، فَإِنْ كَانَ بَدَوِيًّا حَسَمَ بِالنَّارِ: لِأَنَّهَا عَادَتُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ حَضَرِيًّا أَغْلَى لَهَا الزَّيْتَ وَحُسِمَتْ فِيهِ: لِأَنَّ حَسْمَهَا بِالنَّارِ وَالزَّيْتِ يَسُدُّ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ فَتَنْقَطِعُ مَجَارِي الدَّمِ ، فَيَقِلُّ الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا إِخَالُهُ سَرَقَ . فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رَسُولُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ، ثُمَّ احْسِمُوهُ ، ثَمَّ ائْتُونِي بِهِ . فَقُطِعَ وَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ . فَقَالَ: قَدْ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ . قَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ . فَإِنِ امْتَنَعَ الْمَقْطُوعُ مِنْ حَسْمِ يَدِهِ من أحكام السرقة ، فَإِنْ كَانَ قَطْعُهَا فِي قِصَاصٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى حَسْمِهَا: لِخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُهَا فِي سَرِقَةٍ فَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى حَسْمِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ عَلَى حَسْمِهَا: لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ: لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّدَاوِي عَنْ مَرَضٍ ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِصَاصِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ بَعْدَ قَطْعِهِ وَلَا يُشَهَّرُ فِي النَّاسِ: لِأَنَّ قَطْعَهُ شُهْرَةٌ كَافِيَةٌ ، وَيُطْلَقُ لِوَقْتِهِ . وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُشَدَّ كَفُّهُ الْمَقْطُوعَةُ فِي عُنُقِهِ ، عِنْدَ إِطْلَاقِهِ ، رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: سَأَلْنَا فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ أَمِنَ السُّنَّةِ هُوَ ؟ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا أُجْرَةُ الْقَاطِعِ والجلاد في إقامة الحدود وَثَمَنُ الزَّيْتِ لِحَسْمِ يَدِهِ ، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ . فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ يَكْثُرُ جُعِلَ لِلْقَاطِعِ وَالْجَلَّادِ رِزْقٌ ، وَإِنْ كَانَ يَقِلُّ أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ كُلَّمَا قَطَعَ أَوْ جَلَدَ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ لَمْ يُؤْخَذْ بِثَمَنِ الزَّيْتِ: لِأَنَّهُ كَالدَّوَاءِ الَّذِي لَا يُجْبَرُ عَلَى ثَمَنِهِ ، وَأُخِذَ بِأُجْرَةِ الْقَاطِعِ مِنْ مَالِهِ: لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ . فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَتَوَلَّى قَطْعَ يَدَيَّ بِنَفْسِي . فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُمَكَّنُ كَمَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ قَطْعِهِمَا قِصَاصًا .