وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ بَعْدَ يَدٍ وَرِجْلٍ يَدًا . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ يَدٍ جَازَ قَطْعُهَا قَوَدًا جَازَ قَطْعُهَا حَدًّا كَالْيُمْنَى ، وَكُلَّ رِجْلٍ قُطِعَتْ قَوَدًا جَازَ قَطْعُهَا حَدًّا كَالْيُسْرَى . وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَخْطَأَ فَقَطَعَ الْيَدَ الْيُسْرَى فِي السَّرِقَةِ سَقَطَ بِهَا قَطْعُ الْيُمْنَى . فَتَقُولُ: مَا سَقَطَ الْحَدُّ بِقَطْعِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهُ مُسْتَحَقًّا ، كَالْيُمْنَى . وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ لِلْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى ، ثَبَتَ لِلْيَدِ الْيُسْرَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى . أَصْلُهُ: الدِّيَةُ وَالْقَوَدُ وَالطَّهَارَةُ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَقَدْ عَارَضَهُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى اللِّسَانِ وَالْأَنْفِ مَعَ فَسَادِ مَوْضُوعِهِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ ، وَلَمْ يَجُزْ قَطْعُهُ فِي الْحَدِّ بِخِلَافِ الْيَدِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ فِي الْقَوَدِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ فِي الْحَدِّ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الْقَتْلِ ، كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مَا دُونَ الْقَتْلِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهَا فِي الثَّانِيَةِ أَقْرَبُ ، وَإِذَا تَكَرَّرَتِ السَّرِقَةُ خَفَّتْ ، فَهُوَ إِثْبَاتُ اعْتِبَارِ الثَّانِيَةِ بِالْقَطْعِ فِي الْحِرَابَةِ مِنْ خِلَافٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ اعْتِلَالًا يَدْفَعُ عَنْهُ هَذَا التَّعْلِيلَ ، كَذَلِكَ السَّرِقَةُ . وَادِّعَاؤُهُمْ خِفَّةَ السَّرِقَةِ إِذَا تَكَرَّرَتْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ: لِأَنَّ قَطْعَ الرِّجْلِ فِي الثَّانِيَةِ أَغْلَظُ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فِي الْأُولَى: لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِفْصَلًا وَأَكْثَرُ زَمَانَةً .
فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ قُطِعَ لِجَمِيعِهَا قَطْعًا وَاحِدًا ، وَتَدَاخَلَ بَعْضُ الْقَطْعِ فِي بَعْضٍ ، كَالزَّانِي إِذَا لَمْ يُحَدَّ حَتَّى تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ حُدَّ فِي جَمِيعِهِ حَدًّا وَاحِدًا: لِأَنَّ الْحُدُودَ لِإِدْرَائِهَا بِالشُّبْهَةِ يَتَدَاخَلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَيُقْطَعُ بِأَخَفِّ مُؤْنَةٍ وَأَقْرَبِ سَلَامَةٍ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ قَطْعَ يَدِ السَّارِقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَ إِلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ سَوْقًا رَقِيقًا لَا يُعَنَّفُ بِهِ ، وَلَا يُقَابَلُ بِسَبٍّ وَلَا شَتْمٍ وَلَا تَعْيِيرٍ ، وَلَا يُقْطَعُ قَائِمًا حَتَّى يَجْلِسَ ، وَيُمْسَكُ عِنْدَ الْقَطْعِ حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ ، وَتُمَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ حَتَّى