... والغريب أنه لا يعرفه أحدٌ من الصحابة الجالسين ، فلو كان من أهل المدينة لعرفوه ، ولو لم يكن من الدينة ، ولو كان مسافرا قادمًا من بعيدٍ ، لكان أشعث أغبر ، فكيف جمع بين أناقة ونظافة مظهره وبين عدم معرفتهم به .
... بعد ذلك تصرَّف الرجل الغريب المثير تصرفًا أكثر إثارةٍ ، زاد في انفعال وتفاعل الصحابة الجالسين ، فقد اخترق الرجل الصحابة الجالسين ، وأقبل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جلس إليه ، ثم اقترب منه كثيرًا ، بأن أسند ركبتيه إلى ركبتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وضع كفيه على فخذي نفسه ، وجلس أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - جلسة المتأدب المتعلِّم )) .
... ومن أمثلة هذا اللون من الأساليب أيضًا ما رواه أبو سعيد الخدري حيث قال [1] : (( جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ونحن جلوسٌ حوله ) )
... لكن لسائلٍ أن يسأل: ما الشيء اللافت في هذا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطبهم دومًا من على المنبر ؟ فالجواب: نعم ، هذا هو الغالب من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مخاطبة أصحابه ، ولكن هذا يكون في الخطبة ، فيكون استعمال المنبر في الخطبة طبيعيًا ، والأمر هنا ليس كذلك ، لأنَّ الرَّاوي ذكر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس على المنبر ، وفي الخطبة لا يجلس الخطيب على المنبر وإنما يقف عليه وقوفًا ، ولهذا كان الجلوس فيه إثارة للانتباه ، مما جعل الرَّاوي ينقل لنا هذا الحال ويصفه .
(1) رواه مسلم في صحيحه: 2/728 رقم (1052) ، والنسائي في السنن الكبرى: 2/48 ، وفي المجتبى: 5/90 ، وأحمد في المسند: 3/91 وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم: 3/116،والبيهقي في السنن الكبرى: 2/198 ، وشعب الإيمان: 7/275.