ومما يقرب من هذا الأمر أنَّه (صلى الله عليه وسلم) كان يجعل السائل والمستفسر عن شيء يكرره ثلاث مرات حتى يلفت انتباه من يسمعه من الحاضرين، وبالتالي ينتبهون لما سيجيبه به (صلى الله عليه وسلم) به ، لأنَّ غالب الأمور التي كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يطلب فيها من السائل أو المستفسر الإعادة هي من المهمات ، والتي ينبغي لأكبر عدد ممكن أن يسمعها ويعيها ، لذا كان يطلب التكرار .
ومثال ذلك ما رواه مسلم [1] عن أبي هريرة قال: (( خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل: أكل عامٍ يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم .... ))
ونظير هذا ما رواه مسلم كذلك عن أبي هريرة ٌقال: (( ثم قيل للنبي(صلى الله عليه وسلم) : ما يعدل الجهاد في سبيل الله- عز وجلَّ- ؟ قال: لا تستطيعوه ، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا ، كل ذلك يقول لا تستطيعونه ، وفي الثالثة قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت بآيات الله لا يفتر من صيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ))
وهذا المثال كسابقه من حيث جعل السائل يكرر سؤاله أكثر من مرةٍ ، لكن فيه أسلوب إثارةٍ إضافي وهو أنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يعقِّب على سؤالهم بقوله: (لا تستطيعونه ) ، ليزيد من انتباههم ويشوقهم لما سيقال .
وقد يكون التكرار أكثر من ثلاث مرات ، خروجًا عن المعتاد في التكرار ، ولا شكَّ أنَّ في هذا إثارةً أكبر، وتشويقًا أعظم ، وهذا لا يتكرر ويتأتى إلا لهدف عظيم ؛ لحثٍ على أمرٍ عظيم ، أو لتغيير أمرٍ جدُّ ذميم .
(1) الصحيح: 2/975 رقم (1337) ، والنسائي في السنن الكبرى: 2/319 رقم (3598) ، وفي المجتبى: 5/110 ، وابن خزيمة في الصحيح: 4/129 رقم (2518) ، وابن حبان في صحيحه: 9/180 رقم (3704) .