يمكِن الاستدلال لأصحاب المذهب الثالث القائلين بالتوقف: بأنّ أدلة المجوِّزين لِتجزؤ الاجتهاد قَدْ تَساوت مع أدلة المانعين ، وعند تَساوِي الأدلة تَوَقَّفْنَا حتى يَظْهَر مُرَجِّح لأحدهما دون الآخَر .
مناقشة هذا الدليل:
ويمكِن مناقشة هذا الدليل: بأنّا لا نُسَلِّم تَساوِي الأدلة في المذْهبيْن ؛ لأنّ أدلة المذهب الأول - القائل بجواز التجزؤ - قَدْ سَلِم مُعْظَمها مِن
(1) يُرَاجَع أصول الفقه لأبي زهرة /375
المناقشة والاعتراض ، وهذا ما لَمْ يَتحقق في أدلة المذهب الثاني المانعين لِتجزؤ الاجتهاد ، الأمرَ الذي يرجِّح كفَّةَ المذهب الأول .
أدلة المذهب الرابع:
استدَلّ أصحاب المذهب الرابع القائلون بجواز الاجتهاد في الفرائض دون غَيْرها: بأنّ أحكام المواريث قطعية ، وهي منصوص عَلَيْهَا في الكتاب والسُّنَّة ، ولِذَا جاز الاجتهاد فيها دون غَيْرها (1) .
مناقشة هذا الدليل:
وأرى مناقشة هذا الدليل مِنْ وجوه:
الوجه الأول: أنّ ما علَّلتم به تفضيل الاجتهاد في الفرائض دون غَيْرها قَدْ يوجَد في غَيْر الفرائض مِنْ أبواب الفقه ومَسائله: كالحدود والكفارات وغَيْرهما مِمَّا كانت أحكامه قطعية .
الوجه الثاني: أنّ هذه العلة - وهي قطعية الأحكام والنص عَلَيْهَا في الكتاب والسُّنَّة - مَدعاة لِعدم جواز الاجتهاد فيها ؛ إذ لا اجتهاد مع النص ، ولِذَا فإنّ هذه العلة عليكم لا لكم .
الوجه الثالث: أنّ إجازة الاجتهاد في الفرائض وعدم إجازته في غَيْرها مِنْ أبواب الفقه يَقْصر الاجتهادَ على هذا الباب ويُغلقه في الأبواب الأخرى وهو ما يَتناقض مع مسمَّى الاجتهاد ومَعناه ؛ لأنّه بَذْل الجهد في تحصيل حُكْم شرعيّ ظنِّيّ ، سواء أكان في الفرائض أمْ في غَيْرها .
رابعًا - تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليين وأدلتهم في تجزؤ الاجتهاد يمكِن التوصل إلى ما يلي: