وهذه المناقشة - عندي - مردودة: بأنّا لا نشكّ في تهيؤ المجتهد المُطْلَق - كالإمام مالِك - رضي الله عنه - لِلعِلْم بجميع الأحكام ، لكنّه في هذه المَسائل المعروضة عَلَيْه أَفْتَى في بَعْضها وتَرَك بعضًا ، أي اجتهَد في جزء مِنْهَا ولَمْ يَجتهد في الآخَر ، وهذا هو المقصود بتجزؤ الاجتهاد ، إلا إن اعتبَرْنَا قولَه:"لا أدري"أو عدم جوابه في بَعْض المَسائل اجتهادًا ، وهذا ما لَمْ يَقُلْه أحد .
الدليل الخامس: أنّ المجتهد إذا اطلع على أمَارات بَعْض المَسائل فيَكون هو وغَيْره سواءًا في تلك المَسائل ، وكَوْنه لا يَعلم أمَارات غَيْرها لا مدْخَل له فيها ، وحينئذٍ يجوز له الاجتهاد فيها كما جاز لِغَيْره ، ولولا أنّ الاجتهاد يَتجزأ لَمَا جاز لهما ذلك .
مناقشة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل: بأنّا لا نُسَلِّم بأنّ المجتهد الذي اطلع على
(1) يُرَاجَع: تحفة الطالب /456 والتمهيد لابن عبْد البَرّ 1/73
(2) يُرَاجَع: مختصر المنتهى مع شرح العضد 2/290 وبيان المختصر 2/291 ، 292 ورفع الحاجب 4/532 وزوائد الأصول /424 - 426 ومسلَّم الثبوت 2/364 وغاية الوصول /168 ، 169 وأصول الفقه الإسلامي لِزكريا البري /311
أمَارات بَعْض المَسائل هو وغَيْره سواء ؛ فإنّه قَدْ يَكون ما لَمْ يَعلمه متعلِّقًا بالمسألة التي يَجتهد فيها ، وهذا الاحتمال يقوى فيه ويضعف أو يَنعدم في المحيط بالكُلّ في ظنّه (1) .
الجواب عَنْ هذه المناقشة:
ويمكِن رَدّ هذه المناقشة: بأنّ مرادنا بغَيْر المجتهد: مَنْ كان مِنْ أهْل الاجتهاد وتوافرَت فيه شروطه ، متمكِّن مِن البحث في هذه المَسائل ، وهذا التمكن قد يَتحقق عنده دون غَيْره مِن المجتهدين ، أو له في بَعْض المَسائل دون الآخَر .
أدلة المذهب الثاني:
استدَلّ أصحاب المذهب الثاني - القائلون بمنع تجزؤ الاجتهاد - بأدلة أَذكر مِنْهَا ما يلي: