وإذا ثبت هذا وتقرَّر أنّه لا تخلو واقعة عَنْ حُكْم الله تعالى فإنّ المجتهد مصيب مِنْ حيث عمل بموجب الظن بأمر الله تعالى ، مخطئ إذا لَمْ يُنْهِ اجتهادَه إلى منتهى حصول العثور على حُكْم الله تعالى في الواقعة .
وهذا هو المختار عنده رحمه الله تعالى .
ووضَّح ذلك بمثاليْن: أحدهما أنّ المجتهد إذا اجتهَد في واقعة حَكَم الله تعالى فيها بالتحريم ثَمّ اجتهاده أَدْرَك التحريم فهو مصيب مِنْ كُلّ وجْه ، وإذا اجتهَد الثاني فغلب على ظنّه الكراهة فعَمِل به: فهو مصيب مِنْ حيث إنّه وَجَب عَلَيْه العمل بالكراهة ، مخطئ مِنْ حيث إنّه لَمْ يدرِك التحريم (1) .
ومِمَّا تَقَدَّم يتضح أنّ المختار عند إمام الحرميْن رحمه الله تعالى: أنّ المجتهد إنْ أصاب الحقَّ كان مصيبًا ، وإنْ أخطأ كان مصيبًا مِنْ وجْه مخطئًا مِنْ وجْه آخَر .
فالخِلاَف عنده لفظيّ ، فلا يستجيز مسلِم تأثيمَ مجتهد ، وإذا ارتفَع التأثيم وحصَل الاتفاق على أنّ كُلاًّ يَعمل بغلبة ظنّه لَمْ يَبْقَ لِلخلاف أثر (2) .
(1) يُرَاجَع البرهان 2/1323 - 1325
(2) يُرَاجَع البرهان 2/1326
المبحث الثالث
تجزؤ الاجتهاد وتجديده ونقضه
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تجزؤ الاجتهاد .
المطلب الثاني: تجديد الاجتهاد .
المطلب الثالث: دعوة المعاصرين إلى فَتْح باب الاجتهاد والتجديد .
المطلب الرابع: نَقْض الاجتهاد .
المطلب الخامس: ورود قوْليْن لِمجتهد في مسألة .
المطلب الأول
تجزؤ الاجتهاد
والحديث في هذا المطلب يمكِن تقسيمه على النحو التالي:
1-المراد بتجزؤ الاجتهاد .
2-مذاهب الأصوليين في تجزؤ الاجتهاد .
3-أدلة المذاهب .
4-تعقيب وترجيح .
ونفصِّل القول في كُلّ واحد مِنْهَا فيما يلي ..
أوّلًا - المراد بتجزؤ الاجتهاد: