الدليل الرابع: أنّه لو لَمْ يَكُنْ كُلّ مجتهد مصيبًا لَكان الحقّ واحدًا ، والمجتهد مأمور بإصابته بعينه ، وظاهِر أنّ ذلك ليس في وسْعه ؛ لِغموض طريقه وخفاء دليله ، ولِذَا وَجَب أنْ يَكون الحقّ بالنسبة إلى كُلّ مجتهد: ما أدى إليه اجتهاده ، ويصبح كُلّ مجتهد مصيبًا (4) .
مناقشة هذا الدليل:
ويمكِن مناقشة هذا الدليل مِنْ وجوه:
الوجه الأول: أنّا نُسَلِّم أنّ المجتهد يَكون مأمورًا بإصابته الحقَّ بعينه إذا كان معلومًا وظاهرًا ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كذلك فليس مأمورًا بإصابته ، وإنما بما يغلب على ظنّه .
الوجه الثاني: أنّ الذي في وسْع المجتهد ومقدوره هو بَذْل وسْعه في
(1) زيْد بن ثابت: هو الصحابي الجليل أبو سعيد زيْد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري الخزرجي النجاري المقرئ الفرضي - رضي الله عنه - ، مِن كُتّاب الوحي ، وكان أحد أربعة جمعوا القرآن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان أحد علماء الصحابة وقضاتهم ..
تُوُفِّي - رضي الله عنه - سَنَة 45 هـ ، وقيل سَنَة 54 هـ .
تذكرة الحفّاظ 1/30 - 32
(2) سبق تخريجه .
(3) يُرَاجَع: العدة 5/1565 - 1567 والواضح 5/379 - 381 وإحكام الفصول /718 - 720 والإحكام لِلآمدي 4/199 ، 201
(4) يُرَاجَع التلويح 2/248
التوصل إلى الحُكْم الشرعي ، أمّا إصابة الحقّ فليست في مقدوره ؛ لِعدم العِلْم به .
الوجه الثالث: أنّ القول بتعدد الحقّ يؤدي إلى حِلّ الشيء وتحريمه حينما تعددَت الاجتهادات في مسألة واحدة ، وهذا هو التناقض بعينه ، إلا إنْ كان الحقّ واحدًا ؛ فلا تَناقُض حينئذٍ ؛ لأنّ مَنْ أصابه كان مصيبًا ، ومَنْ لا فلا .
سادسًا - تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليين وأدلتهم في الإصابة والخطأ في الاجتهاد في المَسائل الشرعية الظنية يمكِن التوصل إلى ما يلي: