الدليل الثالث: أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - اختلَفوا في مَسائل عدة ، وقَدْ ثبت أنّ الخلفاء كانوا يولّون الولاةَ والقضاةَ مع عِلْمهم بمخالَفتهم لهم في الأحكام ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مُنْكِر ، ولو تُصُوِّر الخطأ في الاجتهاد لَمَا ساغ ذلك مِن الصحابة - رضي الله عنهم - ، فدَلّ ذلك على أنّ كُلّ مجتهد مصيب .
مناقشة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل مِنْ وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّا لا نُسَلِّم بأنّ الصحابة لَمْ يُخَطِّئ بَعْضهم بعضًا ..
فقدْ ثَبَت أنّ ابن عباس (2) - رضي الله عَنْهُمَا - قال:"أَلاَ يَتَّقِي اللَّهَ"
(1) يُرَاجَع: العدة 5/1565 والواضح 5/377 ، 378 ومختصر المنتهى مع بيان المختصر 3/320 321 ونهاية الوصول 9/3850 والإحكام لِلآمدي 4/198 - 201 وأصول الفقه لِلشيخ أبي النور زهير 4/455 ، 456
(2) ابن عباس: هو حَبْر الأُمَّة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عمّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، دعا له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال { اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل } ..
تُوُفِّي - رضي الله عنه - بالطّائف سَنَة 68 هـ .
الإصابة 2/330 وشذرات الذهب 1/75
زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (1) ؟! يَجْعَلُ ابْنَ الاِبْنِ ابْنًا وَلاَ يَجْعَلُ أَبَ الأَبِ أَبا !"."
وقال عَلِيّ - رضي الله عنه - في قصة المرأة التي أجهضت ذا بطْنها:"إِنْ كَانَا قَدِ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَأَا" (2) .
الوجه الثاني: أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - يَعلمون أنّ المجتهد لَمْ يكلَّف إصابةَ الحقّ ولِذَا لَمْ يخطِّئ بَعْضهم بعضًا ؛ لأنّ الخاطئ فيه معذور له على قصْد الثواب أجْر ، ولِذَا فإنّ مَنْ جانَب الصوابَ مِنْهُمْ أَرشَده الآخَر ونصَحه (3) .