وقَدْ نوقش هذا الدليل: بأنّ الآية تَدُلّ على أنّه أوتي حُكْمًا وعِلْمًا في الجملة فقط ، وهو نكرة في سياق الإثبات فيخصّ ، وليس فيه ما يَدُلّ على أنّه أُوتِي حُكْمًا وعِلْمًا فيما حَكَم به ، وقَدْ أَمْكَن حَمْل ذلك على أنّه أُوتِي حُكْمًا وعِلْمًا بمعرفة دلالات الأدلة على مدلولاتها وطُرُق الاستنباط ، فلا يبقى حُجّةً في غَيْره (3) .
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - { أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ ؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُم } (4) ..
وجْه الدلالة: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جَعَل الاقتداء بِكُلّ واحد مِن الصحابة هدىً مع اختلافهم في الأحكام نفيًا وإثباتًا ، وهذا يقتضي تصويب كُلّ واحد مِن
(1) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 4/195 - 197 وبيان المختصر 3/319 والتلويح 2/250
(2) سورة الأنبياء مِن الآية 98
(3) يُرَاجَع: نهاية الوصول 9/3849 والإحكام لِلآمدي 4/198 ، 201 والمستصفى /359
(4) أَخْرَجه البيهقي وعَبْد بن حميد .. انظر: كشْف الخفاء 1/147 وتلخيص الحبير 4/190
المجتهدين ؛ لأنّ الصحابة قَدْ يَختلف اجتهادهم ، فلو كان بَعْضهم مخطئًا لَمْ يَكُنْ الاقتداء بهم اهتداءً بلْ ضلالة ، فدَلّ ذلك على أنّ كُلّ مجتهد مصيب .
مناقشة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل مِنْ وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّ الخطأ في الاجتهاد لا ينافِي كَوْنَه هدىً ، ولِذَا كان الاقتداء بهم هدىً وإنْ كان اجتهادهم خطأً .
الوجه الثاني: أنّ الحديث مُطْلَق ، فلا عموم له في المقتدَى به: فيحتمل أنْ يَكون المراد بالاقتداء الأخذُ بالرواية دون الرأي ، ويحتمل أنْ يراد به الإمامة وأنّ كُلاًّ مِنْهُمْ صالِح لها ، فالاقتداء به هدى (1) .