لهم في ذلك مذهبان .
ثالثًا - منشأ الخلاف:
والخلاف في هذه المسالة يرجع إلى أنّ المسألة الاجتهادية هلْ لله تعالى فيها حُكْم معيَّن قَبْل الاجتهاد أمْ لا ؟
فمَنْ قال إنّ لله تعالى فيها حُكْمًا معيَّنًا: كان مَنْ أصابه باجتهاده فهو المصيب ، ومَنْ لَمْ يُصِبْه فهو المخطئ ، ولِذَا لا يَكون كُلّ مجتهد مصيبًا .
ومَنْ قال إنّه ليس لله تعالى فيها حُكْم معيَّن ، وإنّما الحُكْم ما تَوصَّل إليه المجتهد: كان كُلّ مجتهد مصيبًا ، والحُكْم تابِع لِظَنّ المجتهد (1) .
وأَرْجَع ابن برهان - رحمه الله - الخلاف إلى شيْئيْن متناقضيْن:
أحدهما: أنّ كُلّ مجتهد مصيب .
والثاني: أنّ الحقّ في جهة واحدة ، وما عَدَاه خطأ (2) .
وأرَى: أنّ تقسيم ابن برهان - رحمه الله تعالى - إلى صورة النزاع أَقْرَب مِنْه إلى منشأ الخلاف .
رابعًا - مذاهب الأصوليين:
اختلَف الأصوليون في الإصابة في كُلّ اجتهاد: أيْ أنّ كُلّ مجتهد مصيب أمْ لا ؟
لهم في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: ليس كُلّ مجتهد مصيبًا .
ويرى أصحاب هذا المذهب أنّ لله تعالى حُكْمًا معيَّنًا في كُلّ واقعة: فمَنْ أصابه فهو المصيب ، ومَنْ أخطأه كان مخطِئًا ..
(1) يُرَاجَع: شرح المنهاج 2/837 ونهاية الوصول 9/3846 ونهاية السول 3/280 وأصول الفقه لِلشيخ زهير 4/452
(2) يُرَاجَع البرهان 2/341
ونظرًا لاعتقادهم أنّ كُلّ مجتهد ليس مصيبًا - بلْ قَدْ يَكون مخطِئًا - فإنّهم يُسَمَّوْن بـ"المُخَطِّئة"..
وهؤلاء"المُخَطِّئة"اختلَفوا على أقوال:
القول الأول: أنّ الحُكْم المعيَّن عند الله تعالى لا دليل عَلَيْه ، بلْ هو كدفين يصاب بطريق الاتفاق: فمَنْ ظَفِر به فهو المصيب ، ومَنْ لَمْ يُصِبْه فهو المخطئ .
وهو قول طائفة مِن الفقهاء والمتكلمين .
القول الثاني: أنّ الحُكْم المعيَّن عند الله تعالى لا دلالة عَلَيْه ، ولكنْ عَلَيْه أمَارة أيْ دليل ظنِّيّ ..