وهؤلاء لهم قولان:
أحدهما: أنّ المجتهد مأمور بطلبه ابتداءً ، فإنْ أخطأ وغلب على ظنّه شيء آخَر فهنالك يَتعين التكليف ويصير مأمورًا بالعمل بمقتضى ظنّه ويسقط عَنْه الإثم تحقيقًا .
وثانيهما: أنّ المجتهد لَمْ يكلَّف بإصابته ؛ لِخفائه وغموضه ، فلِذلك كان المخطئ معذورًا ومأجورًا .
وهو قول الفقهاء كافّةً ، ويُنسَب إلى الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - وكثير مِن المتكلمين (1) .
وهؤلاء هُمْ مقتصِدة المخطِّئة .
وهذا المذهب هو ما صَحّ عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ، واختاره
(1) يُرَاجَع: نهاية الوصول 9/3848 ، 3849 والمستصفى /352 وبيان المختصر 3/310 وتشنيف المسامع 2/212 والوصول إلى الأصول 2/342 ، 343 والبحر المحيط 6/241 والمسودة /497 والواضح 5/356 والغيث الهامع 3/887
ابن فورك (1) والأستاذ أبو إسحاق (2) والباجي وأبو يعلى والآمدي والبيضاوي وصدر الشريعة (3) والإسنوي (4) رحمهم الله تعالى (5) .
القول الثالث: أنّ الحُكْم معيَّن عند الله تعالى وعَلَيْه دليل يفيد العِلْمَ والقطعَ .
واختلَفوا - أيضًا - على أقوال:
الأول: عدم تأثيم المخطئ ؛ لِخفاء الدليل وغموضه ، فكان معذورًا .
الثاني: أنّ الذي لَمْ يُدْرِك الحُكْمَ مخطئ وآثِم .
(1) ابن فورك: هو أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن فورك الأنصاري الأصفهاني الشافعي رحمه الله تعالى ، فقيه أصوليّ مُفَسِّر مُتَكَلِّم واعِظ مُحَدِّث ..
مِنْ مصنَّفاته: مُشْكِل الحديث وغريبه ، الحدود في الأصول ، أسماء الرجال .
تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 406 هـ ودُفِن بالحيرة .
طبقات الشافعية الكبرى 3/52 - 56 والأعلام 6/313
(2) أبو إسحاق الاسفراييني: هو ركْن الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الاسفراييني رحمه الله تعالى ، الفقيه الشافعي ، وُلِد باسفرايين .
مِن مصنَّفاته: الجامع في أصول الدِّين والرَّدّ على المُلحِدين .