لَمّا كان الإسلام هو الدين الخالد الباقي إلى قيام الساعة كان لا بُدّ مِنْ مسايَرته لِرَكْب الحضارة الإنسانية عَبْر العصور والأجيال ، فيضع أحكامًا لِكُلّ مستحدَث ومستجدّ في ضوء الأحكام الكلية والأصول الثابتة مِن الكتاب والسُّنَّة .
ولِذَا كان الاجتهاد منحةً إلهيّةً مستمرّةً يَتمتع بها المسلِمون بجهود المجتهدين الذين يقع على عاتِقهم بيان حُكْم الشرع في هذه المستجدّات عَنْ طريق الاجتهاد بَعْد تَحَقُّق شروطه فيهم (1) .
وفي ذلك يقول الشيخ علي الخفيف رحمه الله تعالى:"ومِنْ هذا يَتبين أنّ الاجتهاد سبيل حتميّ لِتعرف أحكام ما لَمْ يسبق له مثيل مِن الحوادث ، وأنّه ضروريّ لِكمال الشريعة وشمولها ووفائها بحاجات الناس وما يأتي به تَطوُّرهم وما تَنتهي إليه أعرافهم ومعاملتهم" (2) ا.هـ .
(1) يُرَاجَع إرشاد النقاد /11 ، 12
(2) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية /209
المطلب الخامس
شروط الاجتهاد والمجتهد
لقدْ بحثتُ عَنْ شروط الاجتهاد عند الأصوليين فوَجدتُ أنّ الأصوليين الذين نَصّوا عَلَيْهَا بهذا اللفظ ـ"شروط الاجتهاد"ـ إنما أَوردوا في الحقيقة شروط المجتهد ، وهو مَسلك بَعْض الأصوليين (1) ، أمّا الكثرة مِن الأصوليين: فإنّهم اكتفوا بذِكْر شروط المجتهد (2) .
وأرى: أنّ المَسلك الأول قَدْ عَبَّر بالمَصدر وأراد الفاعل ، أو أنّهم يَعتبرون المجتهد هو الركن الأهم في الاجتهاد ، ولِذَا جَعلوا شروطه شروط الاجتهاد .
وهذا المَسلك ـ مع حُسْن وجْهته ووضوح علّته وحُجّته ـ إلا أنّه فيه نظر ؛ لأنّنا نَحتاج إلى أنْ نُفرِّق بَيْن شروط الاجتهاد وشروط المجتهد .
ونظرًا لِعدم وقوفي على شرائط لِلاجتهاد خاصة فقدْ حاولتُ التوصل إليها مِنْ خلال التعريف الراجح عندي لِلاجتهاد ، وهو: بَذْل المجتهد وسْعَه في طلب العِلْم بالحُكْم الشرعي الظني ..
وقَدْ حصَرتُها في أربعة شروط: