الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - { إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْر } (1) ..
وجْه الدلالة: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَيَّن لنا أنّ المجتهد مأجور على اجتهاده في كلتا حالتَيْه: إنْ أصاب فله أجران ، وإنْ أخطأ فله أجْر واحد ، والثواب على الفعل أمَارة الندب والاستحباب ، فدَلّ ذلك على أنّ الاجتهاد جائز شرعًا ، وهو المدَّعَى .
أدلة مشروعية الاجتهاد مِنْ عمل الصحابة - رضي الله عنهم -:
لقد اجتهَد الصحابة - رضي الله عنهم - عند وجود النص في فَهْمه ، وعند عدمه في الوصول إلى حُكْم فيما يَعرض لهم مِنْ مَسائل . .
مِنْ أدلة ذلك ما يلي:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - لِلصحابة بَعْد غزوة الخندق { لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَة } (2) ، وبينما هُمْ في الطريق أذَّن العصر ، فاختلَفوا: فبَعْضهم صلاّها خوفًا مِنْ خروج وقْتها وعملًا برُوح النص لأنّهم فَهِموا الحكمة مِنْ هذا النهي هي التعجيل وليس لِذات المكان ، وبَعْضهم تَمَسَّك بظاهر النص ؛ فلَمْ يُصَلِّهَا إلا في بني قريظة بَعْد أذان المغرب .
(1) أَخْرَجَه الترمذي في كتاب الأحكام عَنْ رسول الله: باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطئ برقم ( 1248 ) والنسائي في كتاب آداب القضاة: باب الإصابة في الحُكْم برقم ( 5286 ) كلاهما عَنْ أبي هريرة - رضي الله عنه - ، وابن ماجة في كتاب الأحكام: باب الحاكم يَجتهد فيصيب برقم ( 2305 ) عن ابن عَمْرو رضي الله عَنْهُمَا .
(2) سبق تخريجه .
وعندما عَلِم النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُعَنِّفْ أحدًا مِن الفريقيْن ، وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في فَهْم النص (1) .