ويقول الشاطبي رحمه الله تعالى:"فأمّا القطعي: فلا مجال لِلنظر فيه بَعْد وضوح الحقّ في النفي أو الإثبات ، وليس محلاًّ لِلاجتهاد ، وهو قِسْم الواضحات ؛ لأنّه واضِح الحُكْم حقيقةً ، والخارج عَنْه مخطئ قطعًا" (4) ا.هـ .
ويقول الزركشي رحمه الله تعالى:"الركن الثالث: المجتهَد فيه ، وهو كُلّ حُكْم شرعيّ عمليّ أو عِلْميّ يُقْصَد به العِلْم ليس فيه دليل قطعيّ ، فخرج بالشرعي العقليُّ ؛ فالحقّ فيها واحِد ، والمراد بالعمل: ما هو كَسْب"
(1) المستصفى 2/354
(2) المحصول 2/499
(3) الإحكام 4/171
(4) الموافقات 4/156
لِلمكلَّف إقدامًا أو إحجامًا ، وبالعملي: ما تَضَمَّنه عِلْم الأصول مِن المظنونات التي يَستند العمل إليها ، وقولنا"ليس فيها دليل قاطِع"احترازًا عَمّا وُجِد فيه ذلك مِن الأحكام ؛ فإنّه إذا ظُفِر فيه بالدليل حَرُم الرجوع إلى الظن" (1) ا.هـ ."
ومِنْ هذه النصوص ونَحْوها (2) يتضح أنَّهَا حصَرَت المجتهَد فيه فيما ليس فيه دليل قاطِع ، وفي المقابل فإنّها تَمنع الاجتهاد فيما وَرَد فيه دليل قاطِع .
ولِذَا علينا أنْ نُفَرِّق بَيْن الأمور التي يجوز فيها الاجتهاد والأمور التي لا يجوز فيها الاجتهاد - أو كما عَبَّر الشيرازي رحمه الله تعالى: ما يسوغ فيه الاجتهاد ، وما لا يسوغ فيه الاجتهاد (3) - فيما يلي:
أوّلًا - ما يسوغ فيه الاجتهاد:
لقدْ حصَر بَعْض المتأخرين الحالات التي يسوغ فيها الاجتهاد في أربع وهي:
الحالة الأولى: كُلّ حادثة لَمْ يَرِدْ فيها نصّ أو إجماع .
نَحْو: جَمْع المصحف ، واستخلاف أبي بكر - رضي الله عنه - (4) .
الحالة الثانية: كُلّ حُكْم شرعيّ وَرَد به نصّ ظنِّيّ الدلالة .
نَحْو: قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوء} (5) ؛ فالقرء
(1) البحر المحيط 6/227
(2) يُرَاجَع: اللمع /129 والمعتمد 2/396 وشرح العضد 2/289 وإرشاد الفحول /252