3-أنّ التعريف الثاني - وهو ( بَذْل المجتهد وسْعَه في طلب العِلْم بأحكام الشريعة ) - وما نَحَا نَحْوَه ؛ والتعريف الثالث - وهو ( استفراغ الفقيه الوسعَ لِتحصيل ظنّ بحُكْم شرعيّ ) - وما نَحَا نَحْوَه كُلّ واحد مِنْهُمَا سالِم مِن المناقشة والاعتراض ، ولِذَا فَهُمَا أهْل لِلاختيار والترجيح ..
ولكنّ المقارنة بَيْنَهُمَا أَظْهَرَت انفراد كُلّ واحِد مِنْهُمَا بخاصية ، نفصِّلها فيما يلي ..
4-أنّ التعريف الثاني عند المتقدمين مِن الأصوليين انفرَد بتوسيع دائرة الاجتهاد عندما جَعَلوا غاية الاجتهاد ( طلب العِلْم بالأحكام الشرعية ) ، فيَشمل الاجتهاد في مسألة لا حُكْم فيها ، ويَشمل الاجتهاد في طلب العِلْم في مسألة أَفْتَى فيها المتقدمون ، فيَجمع أقوالهم ، وقَدْ يرجِّح بَيْنَهَا ..
أمّا المتأخرون مِن الأصوليين: فإن الاجتهاد - عندهم - قاصِر على استنباط الأحكام الشرعية العملية ، وليس العِلْم بها كما هو الحال عند المتقدمين .
5-أنّ التعريف الثالث انفرَد بتقييده بغاية الاجتهاد ، وهو ( تحصيل ظنّ بحُكْم شرعيّ ) ..
وهو قَيْد مُسَلَّم لدى الأصوليين ؛ لأنّ الأحكام الشرعية مُعْظَمُهَا مبنيّ على غلبة الظن عند المجتهد (1) ، ولِذَا فذِكْره قريب مِنْ تحصيل الحاصل .
وهذا القيد خِلاَف ما قَيَّد بَعْض الحنفية به الحُكْمَ في قولهم ( تحصيل حُكْم شرعيّ ظنِّيّ ) ؛ لِيخرج به الحُكْم الشرعي القطعي ؛ فإنّه خارج نطاق الاجتهاد ، ولا مجال له فيه .
6-وعلى ضوء ما تَقَدَّم: فالأَوْلى عندي تعريف الاجتهاد بما يلي: ( بَذْل الفقيه وسْعَه في طلب الحُكْم الشرعي الظني ) .
شرح التعريف:
( بَذْل ) : كالجنس في التعريف ، يَشمل كُلّ بَذْل ، سواء أكان مِنْ فقيه أو غَيْره .
ومعناه: استفراغ الوسع ، وهو ضدّ المنع ، من أعطاه وجاد به (2) .