وثم اعتبار آخر في تقسيم المكتبة الحديثية وهو اعتبار له شأن أيضًا؛ وذلك أن تلك المكتبة تنقسم بحسب موضوعاتها الكبرى إلى أربعة أقسام رئيسة؛ وهي: كتب الرواية، وكتب الرجال، وكتب التخريج، وكتب المصطلح.
ولكني آثرت تقديم ذلك التقسيم التفصيلي المتقدم فإن الوقوف عليه ييسر الاطلاع على مراحل نقد الحديث بصورة لعلها تكون واضحة وجلية وغير خالية من الفائدة.
وعند التدبر يظهر أن كل قسم من تلك الأقسام الجزئية يرجع إلى واحد أو أكثر من هذه الأقسام الأربعة أو يتعلق به [1] .
والآن أذكر بعض التفصيل في تقسيم المكتبة الحديثية مرتبة بحسب الأقسام الأربعة.
كتب الرواية أما كتب الرواية فهي الكتب التي تذكر الأحاديث بأسانيدها مثل الكتب الستة والمستخرجات عليها والمسانيد والأجزاء الحديثية المسندة ومعاجم الشيوخ والمسلسلات وأنواعٍ كثيرة أخرى [2] .
ويدخل في كتب الرواية كتب المتون التي حذفت أسانيدها وقد جمع المتأخرون كتبًا حديثية كثيرة في جميع أبواب العلم، مشتملة على المتون دون الأسانيد مع الإبقاء على صحابي الحديث وحده في الغالب؛ ويأتي مزيد من التفصيل في الكلام عليها في ترجمتها من هذا الكتاب.
(1) وأما شرح الأحاديث واستنباط أحكامها واستخراج فوائدها وإزالة الإشكال عنها والجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها، فليس في الحقيقة من وظيفة المحدث وإنما بعض ذلك من وظيفة اللغوي وبعضه من وظيفة الفقيه؛ ولكن كثيرًا من المحدثين كانوا فقهاء أو متمكنين من لغة العرب فشاركوا في تلك الوظائف، وربما يرى راء أن من حق كتب الغريب والشروح ومشكل الحديث ومختلف الحديث وفقه الحديث أن تدخل في مكتبة الحديث، وأرى أن لا بأس بذلك ولكنه لا يخلو من بعض التجوز، ولا سيما في حق كتب فقه الأحاديث.
(2) والفقهاء وغيرهم يطلقون اسم كتب الرواية على جميع كتب الحديث بما فيها كتب النقد الحديثي؛ وكذلك يطلقون علم الرواية على علم الحديث كله.