فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31948 من 36878

وخلاّهم واختيارهم، وأخلاهم من زيادة الهدى التي ذكر سبحانه في كتابه فقال: (والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم *) (2) .

فأضاف سبحانه الفعل بالإزاغة الى نفسه، على اتساع مناهج اللغة في إضافة الفعل الى الأمر، وإن وقع مخالفا لأمره، لما كان وقوعه مقابلا لأمره، ويكشف عن ذلك قوله تعالى: (إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربّنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتّخذتموهم سخريّا حتّى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون *) (3) .

وهؤلاء الفريق عباد الله لم ينسوا الفريق الآخر ذكر الله، وكيف يكون وهم يحادثون أسماعهم وقلوبهم بذكره سبحانه وعظا وتخويفا، وتنبيها وتحذيرا، ولكنهم لما اتخذوهم سخريا، وأقاموا على سيّيء أفعالهم وذميم اختيارهم، أنسوهم ذكر الله، فأضيف الإنساء الى ذلك الفريق من عباد الله، إذ كان نسيان من نسي ذكر الله سبحانه إنما وقع في مقابلة تذكيرهم به، وتخويفهم منه، ودعائهم إليه، فحسنت الإضافة على الأصل الذي قدمناه.

وأقول: إنه قد جاء الاتساع في اللغة بالزيادة على هذه المرتبة التي

(1) الصف: 5.

(2) محمد: 17.

(3) المؤمنون: 109 ـ 110.

ذكرناها من إضافة الفعل الى الأمر، وإن لم يأمر به، بل أمر بضده، لما وقع مقابلا لأمره. فسمي من كان سبب الضلال مضلا، وإن لم يكن منه دعاء الى الضلال، ولا الى ضده فوقع الضلال عند دعائه، قال سبحانه: (وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا البلد ءامنا واجنبّني وبنيّ أن نّعبد الأصنام * ربِّ إنّهنّ أضللن كثيرا من النّاس فمن تبعني فإنّه مني ومن عصاني فإنّك غفور رحّيم *) (1) .

فأضاف تعالى ضلال القوم الى الأصنام إذ جعلوهم سببا لضلالهم وهي جماد، لا يكون منها صرف عن طاعة، ولا دعاء الى معصية.

ومما يكشف عن ذلك أن زيغ الزائغين فعل لهم، وإزاغة الله تعالى لهم فعل له، فإذا ثبت أن زيغهم عن الأيمان علمنا أن إزاغتهم عن الثواب، والا لكان الفعلان واحدا، وقد علمنا أن جهتي الفعل مختلفان» (2) .

ويمكن الرجوع في هذا الملحظ الى مبحث الخصائص العقلية فيما تقدم لإثراء هذا الجانب، ويستند اليه والى أشباهه في ظاهرة انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن واعتبار ذلك مما ينطبق جملة وتفصيلا على هذه الظاهرة.

الظاهرة الثانية: ـ

وتبرز حقائقها في مجال التصديق بالأمر ووقوعه، واستمرارية الصفات وغلبتها، وملابسة الوقائع بعضها لبعض، وتأكيد بإطلاق ضده عليه، وهنا يتوالى رصد المجاز اللغوي المرسل في التعبير القرآني:

1 ـ ففي تصديق الخبر، وإبرام الأمر، وحتمية الإرادة نتلمس قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون *) (3) .

(1) إبراهيم: 35 ـ 36.

(2) الشريف الرضي، حقائق التأويل: 5/ 25 وما بعدها.

(3) آل عمران: 59.

فإن لفظة كن تدل على الأمر، ولكن المراد بها الخبر والتقرير، والتقدير فيها يكون فيكون، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي فهو يكون، والرأي لأبي علي الفارسي (1) .

وهذا الباب من فرائد القرآن وبدائعه لإثبات حقائق الأشياء دون تردد.

2 ـ وفي ملحظ التغليب وديمومة الصفات، وكون الشيء جزءا من الأصل، وأصلا في الكل المنظور إليه يبرز كل من قوله تعالى:

أ ـ (وكانت من القانتين) (2)

ب ـ (إلاّ امرأته كانت من الغابرين) (3)

ج ـ (فلولا أنّه كان من المسبّحين *) (4)

فبالنسبة لمريم إبنة عمران في الآية الأولى غلب عليها صفة الذكور، ولو لم يرد المعنى المجازي في ذلك لجاء بالأصل الموضوع للأناث وهو القانتات، ولكنه أطلق القانتين على الإناث من باب التغليب، والارتفاع بمستوى مريم الى مصاف الرجال القانتين. وما يقال هنا يقال بالنسبة «للغابرين» فإن اللفظ موضوع للذكور المتصفين بهذا الوصف، فإطلاقه على الإناث على غير ما وضع له، وإذا كان كذلك فهو مجاز.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت