جـ ـ وما يقال في ملحظ النطق والقول والقوة بالنسبة للنار يقال عينه بالنسبة للإيحاء الى الأرض في قوله تعالى: (بأنّ ربّك أوحى لها *) (3) .
والقضية تصور في مدرك عقلي محض، فالوحي الإلهي هو الفعل الذي يكشف به الله للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله (4) .
(1) الملك: 7 ـ 8.
(2) الحج: 1 ـ 2.
(3) الزلزلة: 5.
(4) ظ: د. جميل صليبا، المعجم الفلسفي: 2/ 570.
وإذا كان الوحي فعلا متميزا، فهو صادر عن فاعل مريد، وهذا الفاعل المريد هو الله تعالى، الى متلق ممتثل، فتعلقه في الأرض إذن تعلّق مجازي، إذ طريق الوحي هو التلقي، والأرض غير قابلة للتلقي. لهذا فالإيحاء في الآية عند الزمخشري مجاز لا يستثني بهذا شيئا قال:
«أوحى لها بمعنى أوحى إليها، وهو مجاز كقوله تعالى: (أن نقول له كن فيكون) وكقول الشاعر: أوحى لها القرار فاستقرت (1) .
وأصل الوحي هو: الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض وما مجرى الإيماء والتنبيه على الشيء من غير أن يفصح به (2) .
وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الإعلام في خفاء (3) . ومؤدى ذلك واحد، إذ الإشارة السريعة إعلام عن طريق الرمز، والرمز إيماء يستفيد منه المتلقي أمرا إعلاميا قد يخفى على الآخرين (4) .
ولهذا فقد كان الراغب دقيقا حينما عرض لمصطلح الوحي وقسمه فيما تنبه اليه بين القابل له والمستعصي عليه، إلا أن يكون ذلك تسخيرا من قبل الله تعالى، فقال: «فإن كان الموحى إليه حيا فهو إلهام، وإن كان جمادا فهو تسخير» (5) .
لهذا فقد ذهب الطبرسي (ت: 548 هـ) الى أن أوحى لها: أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها. . من جهة تخفى (6) .
والسياق إنما يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق ما لها؟ فاقتضى أن يأتيه
(1) ظ: الزمخشري، الكشاف: 4/ 276.
(2) قارن بين ذلك في: الراغب، المفردات: 515. الطبرسي، مجمع البيان: 5/ 37.
(3) ظ: ابن منظور، لسان العرب 20/ 258.
(4) ظ: المؤلف، ظاهرة الوحي والمستشرقون. «بحث» في كتاب: (المستشرقون وموقفهم من التراث العربي الإسلامي) وقائع المؤتمر العلمي الأول لكلية الفقه: مطبعة القضاء، النجف، 1986 م.
(5) الراغب، المفردات: 515.
(6) ظ: الطبرسي، مجمع البيان: 5/ 526.
الجواب (بأنّ ربّك اوحى لها *) (1) .
تحدث به الأرض نفسها تلقائيا؛ فالإيحاء هنا مباشرة، ليلائم إسناد التحدث الى الأرض. وسر قوته في أنه كذلك (2) .
3 ـ ومسايرة المجاز للنفس الإنسانية لا تقف عند حد معين، ولا تختص بأقوام دون آخرين، فالعبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومع هذا فقد نلتقط بعض الشذرات النادرة، والتحف الثمينة في هذه الظاهرة المتأصلة، ومن ذلك ما أورده تعالى في سورة الضحى من أقسام وأيمان كان للمجاز العقلي فيها نصيب متميز، كما في قوله تعالى: (والضّحى * والليل إذا سجى *) (3) .
وسيأتي إبراز المجاز الإسنادي الحكمي لهذه الآية في محلها من فصل «المجاز العقلي في القرآن» والمهم هنا أن نبين أن القرآن العظيم كما توجه لإثارة النفس عند الناس، فكذلك توجه لتهدئة النفس الإنسانية عند ذي أقدس نفس بشرية، وهو الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبذلك يستوعب المجاز القرآني، النفوس الاعتيادية والنفوس المقدسة الشريفة، وقد تنبهت الدكتورة بنت الشاطىء لهذا الملحظ ونحن نؤيدها فيه بحدود.
«المقسم به في آيتي الضحى، صورة مادية، وواقع حسي، يشهد به الناس تألق الضوء في ضحوة النهار، ثم يشهدون من بعده فتور الليل إذا سجا وسكن. يشهدون الحالين معا، في اليوم الواحد، دون أن يختل نظام الكون، أو يكون في توارد الحالين عليه مما يبعث على إنكار، بل دون أن يخطر على بال أحد، إن السماء قد تخلت عن الأرض وأسلمتها الى الظلمة الموحشة، بعد تألق الضوء في ضحى النهار» .
فأي عجب في أن يجيء، بعد أنس الوحي وتجلي نوره على المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فترة سكون يفتر فيها الوحي، على نحو ما نشهد من الليل الساجي يأتي بعد الضحى المتألق (4) .
(يُتْبَعُ)