(1) ظ: أمين الخولي: أساس البلاغة بين المعجم، تعريف بالكتاب في أوله.
(2) ظ: الزمخشري، أساس البلاغة، مقدمة المؤلف.
تفنى فرائده، وبحرا فنيا لا تدرك سواحله.
وقد تجلى في الكشاف ما أضافه الزمخشري من دلالات جمالية في نظم المعاني، وما بحثه من المعاني الثانوية في المجاز القرآني، والتي توصل اليها بفكره النير، من خلال نظره الفاحص في تقديم المتأخر، وعائدية الضمائر، وأسلوب العبارة، والتركيب الجملي، لرصد المضمون البياني في القرآن المتمثل لديه في التمثيل والتشبيه والإستعارة وأصناف المجاز، وهو كثيرا التنقل بالألفاظ القرأنية من الحقيقة الى المجاز مستعينا على ذلك بشؤون الكلام العربي في الحذف والإظهار، والتقدير والإضمار، ذلك بإزاء استجلاء إعجاز القرآن فنيا والتأكيد عليه لفظيا ومعنويا من خلال معطيات الشكل ومميزات المضمون.
صحيح أن الهدف الجانبي عند الزمخشري قد يكون كلاميا كما أسلفنا، ولكن هذا لا يمانع من أن يكون كتابه هذا جوهرة نحن بأمس الحاجة الى امثالها في تبيين روعة القرآن، وجمال عبارته، ودقة بلاغته.
ولست هنا في مجال الحديث عن الكشاف إلا إجمالا، ومن خلال هذا الإجمال، أضع نموذجين لتحقيقه المجازي بين يدي البحث: الأول، تعقيبه على قوله تعالى (الرحمن على العرش أستوى *) (1) ، فهو يبحثها بلاغيا في ضوء ما تستعمله العرب مجازا أو كناية في معنى العرش والأستواء، ويضرب لذلك الأشباه والنظائر من القرآن الكريم والموروث العربي، فيقول:
«ولما كان الأستواء على العرش، وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة. وقالوا أيضا ـ لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ـ: ملك، في مؤداه وإن كان أشرح وأبسط أدل على صورة الأمر، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت: حتى أن من لم يبسط يده بالنوال قط، أو لم تكن له يد رأسا، قيل فيه: يده مبسوطة لمساواته
(1) طه: 5.
عندهم قولهم هو جواد. ومنه قوله تعالى: (وقالت اليهود يد الله مغلولة) ، أي هو بخيل (بل يداه مبسوطتان) (1) ، أي هو جواد من غير تصور يد، ولا غل، ولا بسط. والتفسير بالنغمة، والتمحل للتثنية من ضيق العطف، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام» (2) .
الثاني: تعقيبه على قوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم. . .) (3) ، قال: «فإن قلت: كيف أسند الخسران الى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل الى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين. . فإن قلت: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن تم مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تنساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة، وأكثر ماءً ورونقا وهو المجاز المرشح. . . فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء (أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى) (4) ، أتبعه بما يشاكله ويواخيه، وما يكتمل ويتم بانضمامه إليه، تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته» (5) .
وفيما عدا الزمخشري بتوسعه في ذكر مجازات القرآن، بمعانيها الاصطلاحية فيما يبدوا لي، فإننا لا نجد نظيرا لهذا التفسير من هذا الوجه فحسب. نعم هناك شذرات مجازية في الجزء الخامس من «حقائق التأويل» للشريف الرضي (ت: 406 هـ) أشرنا إليها ضمن البحث فيما يأتي، ولو وصلنا حقائق التأويل كاملا لحصلنا على علم كثير.
(1) المائدة: 64.
(2) الزمخشري، الكشاف 2: 530.
(3) البقرة: 16.
(4) الزمخشري، الكشاف: 1/ 191 وما بعدها.
(يُتْبَعُ)