إنّه يقول: وأنا أنهى عنهما، ولا يقول بأنّ رسول الله نسخ هذا الحكم وحرّمه وإنّي أُحرّم المتعة لتحريم رسول الله، يقول: أنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما.
وثانيًا:
هل يرتضي الفخر الرازي ويرتضي النووي ـ لاسيّما الفخر الرازي الذي يقول: لم يبق إلاّ أن يقال، الفخر الرازي الذي
(1) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، على هامش القسطلاني 6/ 128.
الصفحة 31
يعترف بعدم تماميّة الوجوه الاُخرى وأنّ الوجه الصحيح عنده هذا الوجه، ولا طريق آخر لحلّ المشكلة ـ أن يكون الحكم الشرعي هذا لم يبلغ أحدًا من الصحابة، ولم يبلّغه رسول الله إلى أحد منهم، وإنّما باح (صلى الله عليه وآله وسلم) به إلى عمر بن الخطّاب فقط، وبقي عنده، وحتّى أنّ عمر نفسه لم ينقل هذا الخبر عن رسول الله في تمام هذه المدّة؟ وما الحكمة في إخفاء هذا الحكم عن الامّة إلاّ عن عمر، حتى أظهره في أُخريات أيّامه؟
مضافًا، إلى أنّ رجلًا اسمه عمران بن سواده، يخبر عن عمر بن الخطّاب عمّا يقول الناس فيه، أي عن اعتراضات الناس وانتقاداتهم على عمر، يبلّغه بتلك الاُمور، يقول له: عابت أُمّتك منك أربعًا: ... وذكروا أنّك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله، نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.
فالناس كلّهم كانوا يتكلّمون فيه، وقد أبلغ هذا الرجل كلام الناس إليه، فانظروا إلى جوابه:
قال عمر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحلّها في زمان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة.
فكان رأيًا منه ولم يكن رأيًا من رسول الله حتّى يقول الفخر الرازي بأنّ هذا الحكم الشرعي ما سمع به إلاّ هذا الشخص وبقي
الصفحة 32
عنده حتّى أعلن عنه.
هذه الرواية في تاريخ الطبري في حوادث سنة 23 هـ (1) .
ولكن الاُمّة لم تقبل هذا العذر من عمر الذي قال بأنّ رسول الله أحلّها في زمان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة، لم تقبل الاُمّة هذا العذر من عمر، وبقي الاختلاف على حاله إلى يومنا هذا.
الوجه الثاني:
إنّ التحريم كان من عمر نفسه وليس من رسول الله، هذا التحريم كان منه، وهو مقتضى نصّ عبارته: وأنا أنهى عنهما.
ولكن تحريم عمر يجب اتّباعه وامتثاله وإطاعته وتطبيقه، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ» . هذا حديث نبوي، وينطبق هذا الحديث على فعل عمر، وحينئذ يجب إطاعة عمر فيما قال وفعل، فيما نهى وأمر.
يقول ابن القيّم: فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله وأبي بكر، حتّى نهى عنها عمر في شأن
(1) تاريخ الطبري 4/ 225.
الصفحة 33
عمرو بن حريث، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله؟
قيل في الجواب: الناس في هذا طائفتان، طائفة تقول: إنّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها، وقد أمر رسول الله باتّباع ما سنّه الخلفاء الراشدون [إشارة إلى الحديث الذي ذكرته] ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سمرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح، فإنّه من رواية عبدالملك بن الربيع بن سمرة عن أبيه عن جدّه، وقد تكلّم فيه ابن معين، ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه.
(يُتْبَعُ)