... فإن كان الله تعالى قد نهى عنه؛ انزجر عنه، فإن تابعته نفسه إلى ما زجرها عنه، فليعلم أنه من الله عَزَّ وَجَلَّ ببالٍ، وأن هذه نفسٌ مرحومة، فليشكر الله الكريم على ذلك⁽١⁾. ألم تسمعوا - رحمكم الله - إلى ما أخبركم مولاكم الكريم عن نبيٍّ من أنبيائه، وهو يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٥٣﴾ [يوسف] ⁽٢⁾.
--------------------
(١) قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ في «إغاثة اللهفان» (١/ ١٢٥) : اتفق السالكون إلى الله - على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم - على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يُدْخَلُ عليه سبحانه ولا يُوصَل إليه إلَّا بعد تركها، وإماتتها بمخالفتها، والظفر بها. فإن الناس على قسمين: *قسم ظَفِرَت به نفسه؛ فملكته وأهلكته، وصار طوعًا لها تحت أوامرها. *وقسمٌ ظفروا بنفوسهم؛ فقهروها، فصارت طوعًا لهم، منقادةً لأوامرهم. كما قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمن ظَفِرَ بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ﴾ الآيات. فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب تعالى يدعو العبد إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة، وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء. اهـ.
(٢) نسب المُصنِّف هذا القول إلى يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ، وعليه عامة السلف من المُفَسِّرين، وهو مروي عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وابن أبي الهذيل، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم رحمهما الله قولًا غيره في هذه الآية. قال ابن جرير رَحِمَهُ اللهُ: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ ﴿قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْـَٰٔنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ الصَّٰدِقِينَ ٥١﴾، قـــــــال =