وأما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه. فقال له: مر عبد الله بأتيني، وخذ معك غيره، فراح عبد الأعلى بابنه عبد الله إليه، فاستنشده، فأنشده: تَجَهَّزِي بِجَهَازٍ تَبْلُغِينَ بهِ يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لم تُخْلَقِي عَبَثَا ولا تَكَدِّي لمن يبقى وتفتقري إن الردى وارث الباقي وما ورثا وأخشى حوادث صرف الدهر في مهل واستيقظي لا تكوني كالذي بحثا عن مُدْيَةٍ كان فيها قطع مُدَّتِهِ فوافت الحرث موفورًا كما حرثا لا تأمني جمع دهر مترف خَتِل قد استوى عنده من طاب أو خَبُثَا يا رب ذي أمل فيه على وجل أضحى به آمِنًا أمسى وقد حدثا من كان حين تُصِيبُ الشمسُ جَبْهَتَهُ أو الغُبَارُ يخافُ الشَّيْنَ والشَّعَثَا ويألفُ الظِّلَّ كي تبقى بَشَاشَتُهُ فكيفَ يسكنُ يومًا رَاغِمًا جَدَثَا قفراء موحشة غبراء مظلمة يُطِيل تحت الثرى من قعرها اللبثا⁽١⁾ ٣٢ - قال أبو بكر الآجُرِّيُّ: ثنا العباس بن يوسف الشكلي، حدثني محمد بن الحسن بن العلاء البلخي، قال: قال يحيى بن معاذ الرازي: يابن آدم، حُفَّتِ الجنة بالمكاره وأنت تكرهها، وحُفَّتِ النار بالشهوات وأنت تطلبها، فما أنت إلا كالمريض الشديد الداء، إن صبرت نفسه على مضض الدواء اكتسب بالصبر عاقبة الشفاء، وإن جزعت نفسه على ما يلقى من ألم الدواء طالت به عِلَّتُه⁽٢⁾. ٣٣ - قال أبو بكر الآجُرِّيُّ: ثنا عبد الله بن محمد العطشي، قال: ثنا إبراهيم بن الجنيد، قال: حدثني إبراهيم بن سعيد، عن عبد المنعم، عن عبد الصمد، عن وهب: أن رجلًا من العُبَّاد قال لمُعَلِّمِه: قد قطعت الهوى، فلست أهوى من الدنيا شيئًا. فقال له مُعَلِّمُه: أَتُفَرِّقُ بين النساء والدواب إذا رأيتهن معًا؟
--------------------
(١) قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٩/ ٢٠٥) /الفكر: هذه الأبيات ذكرها الآجري في «أدب النفوس» ، وقال: وكان عمر يتمثل بها كثيرًا ويبكي.
(٢) «أمالي ابن بشران» (١٦٢٥) .