لا يبقي معه شيءٌ من دين الله عَزَّ وَجَلَّ، فلا تقنع لنفسك بقليل من الإيمان، ولا تقنع لها بضعيف من العمل، ولا [٧/ ب] تُرَخِّص لها في قليل من معصية الله عَزَّ وَجَلَّ، ولا تعدها بشيءٍ من استحلاب الحرام، فإن النفس إذا أُطمعت طمعت، وإذا أيستها أيست، وإذا أقنعتها قنعت، وإذا أرخيتَ لها طغت، وإذا زجرتها انزجرت، وإذا عزمت عليها أطاعت، وإذا فُوِّضت إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت. فاحذر نفسك، واتهمها على دينك، وأنزلها منزلة من لا حاجةَ له فيها، ولا بُدَّ لك منها، فإنه لا حاجة لك في باطلها، ولا بُدَّ لك من تُهمتها، ولا تغفلها عن الزجر فتفسد عليك، ولا تأمنها فتغلبك، فإنه من قوَّم نفسه حتى تستقيم، فبالحري أن ينفع نفسه وغيرها، ومن غلبته نفسه فأنفس الناس أحرى أن تغلبه. وكيف لا يضعفُ عن أنفس الناس، وقد ضَعُفَ عن نفسه؟ وكيف يُؤمَنُ على شيءٍ من الأنفس، وهو مُتَّهم على نفسه؟ وكيف يهتدي بمن قد أضلَّ نفسه؟ وكيف يرجأ من قد حَرَمَ حظَّ نفسه؟ يا بُنيَّ تَفَقَّهْ بالحكمة، واستعن بما فيها، فإن وافقك الهوى أو خالفك فاصبر نفسك للحقِّ، وكن من أهل الحكم، فإن الحكيم يذل نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحقِّ، وإن الأحمق يخير نفسه في الأخلاق؛ فما أحبت منها أحبَّ، وما كرهت منها كره⁽١⁾ [أ/٨] . قال أبو بكر: اعقلوا - رحمكم الله - عن لقمان الحكيم ما تسمعون، واعلموا أنه
--------------------
(١) رواه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص٤٢) من طريق المصنف.