فاعقلوا - رحمكم الله - عن الله عَزَّ وَجَلَّ، وألزموا أنفسكم علم ذلك⁽١⁾. ١٩ - ثم اعلموا - رحمكم الله - أنه يلزمكم علم حالين لا بُدَّ منهما: أ - علم معرفة النفس، وقبيح ما تدعوكم إليه مما تهواه وتلذه، مضمرة لذلك، وقائلة وفاعلة، فواجب عليكم أن تزجروها عنه حتى لا تبلغوها ذلك. ب - والحال الثاني: علم كيف السياسة لها؟ وكيف تُراض؟ وكيف تؤدَّب؟ فهذان الحالان لا بُدَّ لكلِّ مسلم عاقل أن يطلب علمه حتى يعرف نفسه، ويعرف كيف يؤدِّبها. [١/أ] قلت: فأما معرفة النفس وقبيح ما تدعو إليه، فقد تقدَّم ذكري له. وأنا أزيدك في فضحتها: ● هي جامعةٌ لكلِّ بلاءٍ، وخزانة إبليس، وإليها يأوي ويطمئن. ● تُظهِرُ لك الزُّهد وهي راغبة، وتُظهِر لك الخوف وهي آمنة. ● تفرحُ بحسن ثناء من جهلها بباطل؛ فتحمده وتُدْنِيه، ويثقُلُ عليها صدقُ من ذمَّها بحقٍّ، نُصْحًا منه لها؛ فتبغضه وتُقْصِيه. وأنا أمثِّلُ لك مثالًا لا يخفى عليك أمرها إن شاء الله: اعلم أن النفس مثلها كمثل المُهْرِ⁽٢⁾ الحسن من الخيل، إذا نظر إليه الناظر أعجبه حُسْنُه وبهاؤُه، فيقول أهل البصيرة به: لا يُنْتَفَعُ بهذا حتى يُراضَ رياضةً حسنةً، ويؤدَّب أدبًا حسنًا، فحينئذٍ ينتفع به، فيصلُحُ للطَّلَبِ والهرب، ويحمد راكبه عواقب تأديبه ورياضته.
--------------------
(١) انظر كتاب «الفقيه والمتفقه» (١/ ٢٢٨) (ما جاء في تعليم الرجال أولادهم ونساءهم).
(٢) المُهْرُ: ولد الخيل.