هذا فإن الاستدلال بالأدلة الموجبة لطاعة الأمراء على أنّ الشورى غير ملزمة استدلال فيه نظر لأن القول بالإلزام لا ينافي وجوب الطاعة كما لا ينافي وجوبُ الطاعة للحكام الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر.
فعلى الإمام واجب تجاه الأمة وهو التزام رأي الجماعة فيما لا نصّ فيه كما على الأمة واجب تجاه رعاتها وهو طاعتهم للأمراء فيما ليس بمعصية.
وأما حديث: «لو اتفقتما في مشورة ما خالفتكما أبدا» فهو أقرب إلى أن يكون دليلا على القول الأول مع الكلام في السند حيث أخبر أنه لو اتفقا على شيء لم يخالفهما فهو ظاهر في الإلزام.
وكذلك مسؤولية الإمام عن الرعية لا تنافي لزوم نتيجة الشورى كما لا تسوّغ الاستبداد بالرأي عن الجماعة ولا تجاوز رأي الجماعة في مسائل الاجتهاد.
من أقرب المسائل الفقهية إلى هذا: مسؤولية الرجال عن ولاية النكاح فإنها لا تسوّغ استبداد الأولياء بعقد النكاح من غير رضا المرأة البالغة كما أن أذن الولي شرط في صحة النكاح فكذلك رضا المرأة شرط أيضا ولا ينافي أحدهما الآخر فكذلك مسؤولية الراعي لا تعارض لزوم الشورى.
وأما الاستدلال بصلح الحديبية بعدم اللزوم ففيه نظر لأن الأخبار الواردة في القصة أفادت بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متبعا لأمر ربه لا مجتهدا وبهذا تخرج القضية عن محل النزاع.
يقول العلامة ابن حزم رحمه الله: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلى الكفار أحدا من المسلمين في تلك المدة إلا وقد أعلمه الله عز وجل أنهم لا يفتنون في دينهم ولا يضرّون في دنياهم وأنهم سينجون ولابدّ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا» . وقد قال الله عز وجل واصفا لنبيه عليه السلام: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} . فأيقنّا إن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلما فسيجعل الله له فرجا ومخرجا وحي من عند الله صحيح لا